كما هو الحال في صراعات أخرى عبر التاريخ، فإن الحرب الدائرة في السودان تكشف عن حقائق قاسية لا تقتصر على خطوط المواجهة الأمامية. ولاية القضارف، التي تقع بعيدًا عن ويلات الاشتباكات المباشرة في الخرطوم ودارفور، أصبحت مرآة تعكس أبعاد الأزمة الإنسانية والاجتماعية المعقدة التي تتكشف في البلاد. بناءً على رصد ميداني دقيق، تتناول هذه المقالة تفاصيل دقيقة للوضع الصحي والتعليمي والنزوح وانتشار السلاح، وتكشف عن صورة قاتمة لواقع يحتاج إلى اهتمام عاجل.
النظام الصحي تحت الانهيار
يشهد القطاع الصحي في القضارف ضغطًا هائلاً. الزيادة السكانية المفاجئة بسبب تدفق النازحين، إلى جانب التدهور المزمن في البنية التحتية، خلقت بيئة خصبة لانتشار الأمراض. الكوليرا وحمى الضنك والملاريا تتفشى في المناطق الريفية، بينما يعاني الأطفال وحديثو الولادة من أمراض الجهاز التنفسي والهضمي بسبب سوء التغذية والظروف الصحية المتردية في المخيمات.
المستشفيات الحكومية، التي تعد شريان الحياة الأخير، تعاني من نقص حاد في الأطباء والممرضين والفنيين. بعض المرافق الطبية خرجت عن الخدمة تمامًا بسبب الإهمال ونقص الصيانة. حتى الأدوية، المتوفرة جزئيًا، تباع بأسعار باهظة خارج متناول المواطن العادي، في غياب تام للرقابة. هذا الوضع يثير تساؤلات حول فعالية أي نظام صحي يمكن أن يصمد تحت هذا الضغط.
التعليم على حافة الهاوية
لا يختلف مصير التعليم كثيرًا عن مصير الصحة. في القضارف، أصبح التعليم رفاهية بدلًا من حق أساسي. على الرغم من الجهود المجتمعية اليائسة، تقلصت ساعات الدوام المدرسي إلى ثلاث ساعات فقط، وزادت معدلات التسرب بين الطلاب بشكل ملحوظ، مدفوعة بالظروف الاقتصادية القاسية.
وبينما استوعبت بعض المدارس أبناء النازحين، فإن هذا الدعم يأتي بجهود مجتمعية محدودة للغاية، دون دعم حكومي كافٍ. إضافة إلى ذلك، يتلقى العديد من المعلمين رواتبهم بشكل متقطع، مما يؤثر على التزامهم ويزعزع استقرار العملية التعليمية برمتها. هذا الوضع ينذر بجيل ضائع، وهي تكلفة ستدفعها البلاد لأجيال قادمة.
السلاح خارج السيطرة
ربما يكون أخطر مؤشر على تدهور الأوضاع في القضارف هو انتشار السلاح والمجموعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة. تحولت بعض المناطق في الولاية إلى ممرات أو نقاط تمركز لهذه المجموعات منذ بداية الحرب، مما خلق بيئة من الفوضى والاضطراب. شهدت القضارف ظهور مجموعات مسلحة جديدة تابعة لحركات معروفة مثل حركة تحرير السودان (جناح شاكوش)، وحركة العدل والمساواة، وحركة طمبور. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت ما يقدر بنحو 6-8 تشكيلات غير مصنفة، تتنوع تسليحاتها وممارساتها. بينما يلتزم بعضها بانضباط نسبي، تورط بعضها الآخر في انتهاكات صارخة، بما في ذلك الاستيلاء على الممتلكات وابتزاز المدنيين. والأسوأ من ذلك هو ظهور مجموعات مسلحة لا تتبع لأي جهة معروفة، وتعمل أحيانًا تحت غطاء قبلي، مما يعزز من هشاشة الوضع الأمني. هذا الانتشار للسلاح يشير إلى تآكل سلطة الدولة، وهي ظاهرة خطيرة تداعياتها بعيدة المدى.
النازحون ..مساعدات غير كافية
تستضيف القضارف آلاف النازحين الفارين من مناطق النزاع، ويعيشون في مراكز إيواء مؤقتة في ظروف إنسانية صعبة للغاية. يضم كل مركز ما بين 300 إلى 500 نازح، وتوفر بعض المنظمات الدولية الخدمات الصحية والتعليمية والغذاء، ولكن هذه المساعدات غير كافية على الإطلاق مقارنة بحجم الاحتياجات.
الأكثر إثارة للقلق هو تسجيل حالات انتهاكات في بعض مراكز الإيواء، في ظل غياب الخصوصية وسوء الخدمات وغياب آليات المساءلة. حتى الأشخاص ذوو الإعاقة يعانون بشكل خاص، حيث لا توجد مراكز كافية لرعايتهم، ولا توجد إحصائيات دقيقة عن أعدادهم واحتياجاتهم الخاصة. هذا الوضع يطرح سؤالًا حاسمًا: إلى متى يمكن لهؤلاء النازحين الصمود في هذه الظروف؟
نداء للتدخل العاجل
تعكس الأوضاع في القضارف أزمة متعددة الأبعاد تتطلب تدخلًا جادًا وفوريًا من الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والإقليمية. الجهود المجتمعية، على الرغم من أهميتها، غير كافية لمواجهة موجات الانهيار المتتابعة. إن الحفاظ على ما تبقى من مقومات الاستقرار في الولاية يتطلب استجابة شاملة تركز على الصحة والتعليم وتأمين احتياجات النازحين وضبط السلاح.
