تقرير:سودان اسكوب
في يوم 15ابريل 2026م الماضي، حلت الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان. لم تكن العاصمة الألمانية برلين بعيدة عن المشهد، فبينما كان مؤتمر المانحين الدولي يناقش هناك سبل وقف تدفق الأسلحة وجمع التبرعات لإنقاذ ما تبقى من حياة ملايين السودانيين، لا تزال جبهات القتال في كردفان ودارفور تشهد معارك ضارية. الحرب التي بدأت كصراع على السلطة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، تحولت إلى كارثة إنسانية هي الأكبر في العالم ومأزق سياسي وعسكري معقد لا تلوح في أفقه أي بوادر انفراج.
المشهد العسكري
ميزان قوة متقلب واستنزاف مفتوح، فقد شهدت خريطة السيطرة العسكرية في السودان تغيرات جذرية خلال السنوات الثلاث الماضية، فبعد أن تمكن الجيش السوداني في عام 2025م، من استعادة زمام المبادرة عبر السيطرة على مدينة ود مدني والخرطوم وكسر حصارا استمر قرابة العامين على مدينة الأُبيِضْ، لكن سرعان ما تغيرت المعادلة، ففي اكتوبر من العام نفسه استطاعت قوات الدعم السريع بسط سيطرتها على مدينة الفاشر، معقل الجيش الأخير في إقليم دارفور لتسيطر بذلك على كامل الإقليم المكون من 5 ولايات.
اليوم ومع دخول الحرب عامها الثالث تشير المعطيات الميدانية إلى حالة من الجمود العسكري أو الاستنزاف المفتوح بين طرفي النزاع وفق تعبير المحللين، فالجيش يسيطر على عدد من الولايات بشكل كامل وعلى 90% من الولاية الشمالية وولاية الجزيرة،والشرق، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على 5 ولايات كاملة، وتسيطر على 90% من ولاية شمال دارفور. تدور المعارك حاليا بشكل رئيسي في ولايات كردفان (شمالها وجنوبها) والنيل الأزرق حيث يحاول كل طرف توسيع نفوذه.
حرب الطائرات المسيرة
تغيرت طبيعة القتال بشكل ملحوظ حيث تحولت حرب المسيرات والطائرات بدون طيار إلى سلاح مؤثر، هذا الاسلوب الجديد الذي يتميز بتكلفته المنخفضة وقدرته على تجاوز خطوط الدفاع التقليدية، أسفر عن خسائر فادحة في صفوف المدنيين ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 بحسب "توم فليتشر" رئيس الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة وحده قتل ما لا يقل عن 700 مدني في هجمات بطائرات مسيرة، ووفقا لاحصاءات أممية قدرت أن هجمات الطائرات المسيرة قد تسببت في ما يقرب من 80% من إصابات الأطفال.
وضع انساني معقد
وبعيدا عن المعارك تعكس الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة مأساة بشرية لا توصف فالسودان يعيش الان أكبر أزمة نزوح وأكبر أزمة جوع في العالم، و تشير تقديرات الخبراء العسكريين إلى أن عدد القتلى الفعلي قد يصل إلى مئات الآلاف بينما تعلن وزارة الصحة الاتحادية عن توثيق 11,209 حالة وفاة في جانب مفجع آخر أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن 11 ألف شخص على الأقل ما زالوا مفقودين منذ اندلاع الحرب، وهو رقم مرشح للارتفاع.
النزوح القسري
فيما اضطر نحو 14 مليون شخص إلى الفرار من ديارهم، منهم 9 ملايين نازح داخليا و4.4 مليون لجؤوا إلى دول الجوار ، يصل إجمالي عدد النازحين واللاجئين يقترب من 13 مليوناً.
الجوع والمجاعة
و يحتاج 33.7 مليون شخص أي (ثلثا السكان) بحسب تقديرات الأمم المتحدة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، و يعاني 28.9 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي ما نسبته 61.7% من السكان من المتوقع أن يرتفع عدد حالات سوء التغذية الحاد إلى 4.2 مليون حالة في عام 2026م مع وجود 20 منطقة إضافية في دارفور وكردفان مهددة بالمجاعة. وقد تم تأكيد المجاعة فعليا في مناطق مثل الفاشر وكادوقلي.
انهيار الخدمات
تعاني البنى التحتية من انهيار شبه كامل، اذ تم تدمير أو تعطيل ما بين 70-80% من البنيات التحتية الصحية في مناطق النزاع، إلي جانب تأثر جيل كامل بعدم استمرارية وتعطيل التعليم، فقد تم استخدام المدارس كثكنات عسكرية في مناطق النزاع، ومراكز لإيواء النازحين في عدة مناطق.
الإخفاق الدولي وأزمة التمويل
رغم أن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، إلا أن الاستجابة الدولية كانت مخيبة للآمال، نداء الأمم المتحدة لجمع 2.9 مليار دولار لتوفير المساعدات في عام 2026 م، تم تغطية 17% فقط من المبلغ المطلوب، وبحلول أبريل 2026م ، انخفضت نسبة التمويل إلى 16.2% فقط في مؤتمر برلين الذي عقد تزامنا مع ذكرى الحرب.
تعهدت ألمانيا بتقديم 212 مليون يورو، لكن الحكومة السودانية رفضت المؤتمر، واعتبرته تدخلا مفاجئا وغير مقبول في شؤونها الداخلية واتهمت الدول الغربية بممارسة نهج الوصاية الاستعماري.
دعوات لوقف إطلاق النار
وفي خضم هذا الدمار، طالب رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي محمود علي يوسف المجتمع الدولي بعدم نسيان السودان وبذل جهود مكثفة لوقف إطلاق النار، من جانبها اعترفت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر بان المجتمع الدولي خذل الشعب السوداني، داعية إلى وقف تدفق الأسلحة إلى طرفي النزاع.
مستقبل رمادي
يلف السودان مستقبل غامض في بلد منقسم بعد ثلاث سنوات من الحرب، و يبدو مقسما فعليا بين سلطتين متنافستين، فإلى جانب الحكومة السودانية المعترف بها دوليا كحكومة أمر واقع، في بورتسودان والخرطوم، أعلنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها عن تشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ويحذر محللون سياسيون وعسكريون من أن استمرار هذا الانقسام وتغذية طرفي الصراع بالأسلحة والمال من قوى إقليمية ودولية، لن يؤدي إلى إطالة أمد الحرب فقط ، بل سيزيد ويفاقم من معاناة المدنيين، خصوصا في وجود صراعات في مناطق أكثر أهمية وخطورة وذات تأثير أكبر على دول العالم، تستحوذ على الاهتمام الدولي بدرجة أكبر مما هو عليه في حرب السودان.