واشنطون - سودان سكوب
في الثالث من يونيو الجاري، تقدم العضو الديمقراطي البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، النائب "غريغوري ميكس"، بمشروع قانون يعرف في أروقة المجلس باسم "قانون سلام السودان". وخلال الاجتماع الذي عقدته اللجنة أول أمس، حظي المشروع بتوافق الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وهي سمة لازمت معظم التشريعات الأمريكية المتعلقة بالسودان منذ تشكيل الحكومة المدنية الانتقالية في سبتمبر 2019م.
ومن أبرز ما جاء في المشروع تفويض وزارة الخارجية الأمريكية بتقديم الدعم اللازم لنشر قوة متعددة الجنسيات في السودان، تتولى تعزيز حماية المدنيين، وتيسير العمليات الإنسانية، ومراقبة أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار. وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً في مقاربة واشنطن للأزمة السودانية، إذ تعكس إدراكاً متزايداً لضرورة وجود آليات دولية فعالة لحماية المدنيين وضمان تنفيذ أي ترتيبات سلام مستقبلية.
ويحتوي المشروع على رؤية سياسية شاملة للأزمة السودانية ولطريقة تعاطي الإدارة الأمريكية معها، تستند إلى أسس من شأنها أن تقود في نهاية المطاف إلى سلام مستدام وحكم مدني كامل يتمتع باستقلال تام عن سيطرة المؤسسة العسكرية. وهو الهدف الذي ظلت القوى المدنية الديمقراطية تناضل من أجله بصورة متواصلة منذ انقلاب الجبهة الإسلامية على الحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطياً في 30 يونيو 1989.
ويقدم بيان السياسات الوارد في المشروع تصوراً متكاملاً للأزمة السودانية، منطلقاً من جذورها السياسية المباشرة التي تعود إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي نفذه طرفا الصراع الحاليان عندما كانا يشكلان المكون العسكري الموحد. واستهل البيان بالتأكيد على دعم عملية دبلوماسية شاملة تضم القيادات النسوية والشبابية والمجتمعات المهمشة، بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار واتفاق سلام مستدام.
كما أكد المشروع دعمه لمبادئ العدالة والمحاسبة فيما يتعلق بانتهاكات القانون الدولي الإنساني وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وسائر انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها طرفا النزاع. كذلك شدد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن انقلاب 25 أكتوبر 2021 والانتهاكات التي ارتُكبت خلال فترة الطوارئ التي أعقبت الانقلاب.
ويمضي المشروع في التأكيد على أهمية تنسيق الجهود الدولية لدعم عملية سياسية جامعة وشاملة تشارك فيها منظمات المجتمع المدني والقوى المدنية، بهدف معالجة جذور الأزمة السودانية والتوصل إلى سلام دائم ينهي دوامة الحروب والصراعات. كما شدد على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق عبر الحدود الدولية ومختلف مناطق سيطرة الأطراف المتحاربة، مع إعطاء دور خاص للمنظمات المجتمعية القاعدية، وعلى رأسها غرف الطوارئ، التي اضطلعت بمهمة مساعدة المدنيين طوال فترة الحرب. كذلك دعا إلى تطوير خطة شاملة لحماية المدنيين ومنع الانتهاكات.
ويلزم المشروع الإدارة الأمريكية باتخاذ أو إجازة إجراءات محددة تتعلق بالنزاع السوداني، من بينها فرض عقوبات على أفراد وكيانات أجنبية محددة. كما يفرض على الرئيس الأمريكي اختيار عقوبات مناسبة بحق أي شخص أجنبي يثبت أنه: ارتكب أو وجّه أو ساهم عن علم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية ضد المدنيين في السودان منذ أبريل 2023؛ أو شارك بصورة ممنهجة في عرقلة وصول المساعدات الإنسانية؛ أو انتهك حظر الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى دارفور. وتشمل العقوبات الممكنة تجميد الأصول والممتلكات، وحظر منح التأشيرات، ومنع الحصول على القروض.
وفي سياق متصل، ينص المشروع على حظر بيع أو تصدير أو نقل المعدات الدفاعية الرئيسية إلى أي دولة يحدد الرئيس الأمريكي أنها تقدم دعماً لأي من طرفي الصراع، سواء القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع.
كما يوجه المشروع وزارة الخارجية الأمريكية والبعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة إلى العمل داخل المؤسسات متعددة الأطراف للدفع بسياسات محددة، من بينها ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى السودان، وتوثيق الفظائع والانتهاكات المرتكبة خلال الحرب.
ومن البنود اللافتة في المشروع منح الإدارة الأمريكية مهلة 120 يوماً لتحديد ما إذا كان أحد طرفي الصراع أو كلاهما يستوفي شروط الإدراج ضمن قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص (SDGT) بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224. ويختلف هذا التصنيف عن تصنيف "المنظمات الإرهابية الأجنبية" (FTO)، إذ يتيح استهداف الأفراد مباشرة بالعقوبات بدلاً من الاقتصار على الكيانات والتنظيمات.
وتكمن أهمية هذا البند في أنه يفتح المجال أمام استهداف قادة الأطراف المعرقلة للحل السلمي بصورة شخصية، إذا ثبت إصرارهم على مواصلة الحرب ورفضهم الانخراط في تسوية سياسية. كما ينهي إمكانية الاحتماء بمؤسسات الدولة أو الادعاء بأن العقوبات تستهدف السودان كدولة، وهي الحجة التي استخدمها الرئيس المخلوع عمر البشير لسنوات طويلة لتبرير تداعيات سياساته على البلاد.
كذلك نص المشروع على تمديد مهمة المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي إلى السودان لمدة خمس سنوات إضافية، مع تعزيز صلاحياته، بما يعكس انتقال التعاطي الأمريكي مع الملف السوداني إلى مستوى جديد يختلف في جديته وقوته عن المرحلة السابقة.
وأخيراً، تبرز أهمية قراءة مهلة الـ120 يوماً التي حددها المشروع بالتزامن مع مهلة الـ180 يوماً التي أشارت إليها المجموعة الدولية خلال الأيام الماضية لإنجاز عملية سياسية شاملة تفضي إلى سلام مستدام وانتقال مدني ديمقراطي، تقوده حكومة مستقلة بالكامل عن المؤسسة العسكرية. فهاتان المهلتان تعكسان وجود نافذة زمنية واضحة تسعى الأطراف الدولية إلى استثمارها لدفع مسار السلام والتحول المدني في السودان إلى الأمام.