خالد محمد طه – صحفي مهتم بالقضايا الإنسانية والحقوقية.
الملخص :
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة لواقع الصحافة السودانية قبل اندلاع حرب 15 أبريل 2023 وبعدها، من خلال تتبّع تحولات الحريات الصحفية، وبيئة العمل المهني، وطبيعة المخاطر التي واجهت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
يبيّن المقال أن الصحافة السودانية، رغم ما عرفته من هامش محدود عقب ثورة ديسمبر 2018، ظلت تعاني من هشاشة قانونية وبنيوية جعلتها عرضة للارتداد والانكماش، في ظل استمرار القوانين المقيدة للحريات، والضغوط السياسية والاقتصادية.
ويُظهر المقال كيف أدت الحرب إلى انهيار شبه كامل للمنظومة الإعلامية، وتحويل العمل الصحفي إلى نشاط محفوف بالمخاطر الجسدية والنفسية والمهنية، مع تدمير البنية التحتية، وتهجير الصحفيين، واحتكار السرديات الإعلامية من قبل أطراف الصراع، ما أفضى إلى فراغ معلوماتي واسع وتراجع دور الصحافة في حماية المجتمع وبناء الحوار العام.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، يطرح المقال مقاربة إصلاحية تتجاوز الحلول الجزئية، وتستند إلى منظور حقوقي وبنيوي يربط بين حرية الصحافة، وحماية الصحفيين، والاستقلال الاقتصادي، والابتكار المهني، بوصفها شروطاً أساسية لإعادة بناء قطاع إعلامي مستقل ومهني في مرحلة ما بعد الحرب. ويؤكد أن إعادة الاعتبار للصحافة تمثل مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء المجال العام، ودعم مسارات السلام، والعدالة، والانتقال الديمقراطي في السودان.
(الحريات، بيئة العمل، المخاطر، وآفاق الإصلاح)
شكّلت الصحافة السودانية، على امتداد تاريخها، أحد أهم فضاءات التعبير العام ومراقبة السلطة، وركيزة أساسية من ركائز المجال العام، وأداة محورية في إنتاج المعرفة، وترسيخ الشفافية وتعزيز المساءلة، والإسهام في بناء السلم الاجتماعي -رغم ما واجهته من تضييق وقمع متكرر- فالتجربة السودانية تكشف عن علاقة مضطربة بين السلطة ووسائل الإعلام، اتسمت تاريخياً بالتقييد والتسييس والتدخل المباشر، بما حدّ من تطور صحافة مستقلة ومستدامة، وهنا كان يجب النظر إلى الصحافة كحق عام لا كمهنة فقط، ولحرية الصحافة بوصفها امتداداً لحق المجتمع في المعرفة، والعمل على تقليص أثر تقييد الصحافة على الشفافية، والمساءلة، والسلم الاجتماعي.
ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، دخلت الصحافة السودانية مرحلة غير مسبوقة من الانكماش والانتهاك، وانتقلت من وضع هشّ ومقيَّد إلى حالة انهيار شبه كامل، فقد تحولت بيئة العمل الصحفي إلى بيئة عدائية وخطِرة، وفقدت الصحافة الحد الأدنى من شروط السلامة والاستمرارية، حيث لم تعد الانتهاكات فيها محصورة في التضييق على الحريات، بل امتدت لتشمل تهديد الوجود المادي للمؤسسات الصحفية وسلامة الصحفيين أنفسهم.
فعلياً دخل الإعلام السوداني في حالة معقدة وحساسة انعكست على قدرة المؤسسات الإعلامية على أداء دورها في نقل الواقع، وحماية المجتمع، والمساهمة في الحوار الوطني وإعادة بناء الثقة بين السودانيين، فالحرب التي أضرت بالإنسان والمجتمع أظهرت أيضاً قدرات إعلامية محدودة أمام تحدياتها وتداعياتها، ما يجعل تقييم الواقع الإعلامي، وفهم التحديات، والتخطيط لمستقبل الإعلام في السودان أحد الأولويات الضرورية للمسار المدني في الحوار الوطني وإعادة الإعمار.
قبل الحرب
كانت الصحافة السودانية تعيش حالة هشّة ومتناقضة. فمن جهة، أتاحت ثورة ديسمبر 2018 هامشاً نسبياً من حرية التعبير، وتراجعاً مؤقتاً في الرقابة الأمنية المباشرة، وعودة بعض الصحف والكتاب إلى الساحة العامة. وارتفاع سقف التعبير في بعض القضايا السياسية والاجتماعية. ومن جهة أخرى، ظل هذا الهامش محدوداً وهشاً وغير محمي قانونياً، في ظل غياب إصلاح تشريعي شامل وهيمنة الدولة والأجهزة الأمنية على الفضاء الإعلامي، ولغياب الضمانات الدستورية والتشريعية الكفيلة بحماية حرية الصحافة باعتبارها حقاً عاماً لا منحة سياسية.
فقد استمرت القوانين المقيدة للحريات، خاصة تلك المرتبطة بالأمن والنشر، كما ظل تدخل الدولة في إدارة الفضاء الإعلامي قائماً بأشكال متعددة سواء عبر المصادرة، أو الضغط الاقتصادي، أو الملاحقات القضائية والتهديد غير المباشر. وكان شعار (صحافة حرة أو لا صحافة) حاضرا بقوة في المشهد الصحفي العام وفي المطالب المزمنة.
واجه الصحفيون قبل الحرب جملة من التحديات ألتي أضعفت الاستقلال المهني، أبرزها: القوانين المقيدة للحريات، والرقابة القبلية والبعدية، ومصادرة الصحف، واستهداف الصحفيين بالملاحقات القضائية والتهديدات -غير الرسمية- والضغوط الاقتصادية وضعف الأجور. لكن رغم ذلك، كانت هناك إمكانية فعلية للعمل الصحفي الميداني وإنتاج محتوى نقدي نسبياً، خاصة في القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
اتسمت بيئة العمل الصحفي قبل الحرب بقدر من الاستقرار النسبي -مقارنة بما أعقبها- حيث كانت المؤسسات الإعلامية قائمة، والعمل الميداني ممكناً، رغم الأزمات الاقتصادية وضعف البنية التحتية. كما برز الإعلام الرقمي والمنصات المستقلة كبدائل جزئية للصحافة التقليدية، وأسهم لحد في توسيع نطاق النقاش العام. غير أن هذا الواقع كان مثقلاً باختلالات بنيوية عميقة، أبرزها هشاشة التمويل، وتدني الأجور، وغياب الحماية الاجتماعية، وضعف التنظيم النقابي، ما انعكس سلباً على الاستقلال المهني وجودة المحتوى، وجعل الصحافة عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي.
وعليه، يمكن توصيف واقع الصحافة قبل الحرب بأنه كان فضاء مقيد وقابل للانكماش أو الارتداد في أي لحظة، يسمح بهوامش ممارسة مهنية محدودة، لكنه يفتقر إلى الضمانات اللازمة للاستقلال والاستدامة.
الإعلام السوداني في زمن الحرب
طرأت تحولات في المشهد الصحفي بعد اندلاع الحرب، تمثلت في انهيار البنية التحتية الإعلامية، وتشير تقارير[1] إلى أن الحرب دمرت جزءًا كبيراً من بنية الإعلام المؤسسية في السودان؛ فقد تعرضت العديد من المؤسسات الإعلامية للأضرار، بينما فر العديد من الصحفيين أو نزحوا عن مناطق النزاع، ما خلق “فراغاً معلوماتياً” في قلب المجتمع السوداني، فالحرب لم “تزيد القيود” فقط، بل هددت وجود الصحافة نفسها.
أدت الحرب إلى تفكك شبه كامل لمنظومة العمل الصحفي في السودان، وتوقف شبه كلي للمؤسسات الصحفية المطبوعة والإذاعية داخل مناطق النزاع، وتعطلت الإذاعات والقنوات المحلية، وتعرّضت مقار المؤسسات الإعلامية للنهب أو التدمير، وتم استهداف الصحفيين مباشرة بالقتل، الاعتقال، الاختطاف، والتهديد من أطراف الصراع، وأُجبر عدد كبير من الصحفيين على النزوح الداخلي أو اللجوء الخارجي، وأدى التهجير القسري للصحفيين إلى أفرغ الساحة من كوادرها المهنية، ولأن الصحفيين ليسو مجرد مراقبين محايدين، بل جزء من مجتمع متأثر بالعنف، تنسحب عليهم الانعكاسات النفسية والأخلاقية والمهنية.
في ظل هذا الفراغ وتوقف بعض المؤسسات التقليدية عن البث داخل البلاد واضطرار البعض منها للعمل من المنافي أو عبر الوسائل الرقمية البديلة - ويستند عملهم في تغطية على التواصل مع الصحفيين الذين ما زالوا في منطقة الحرب- أصبح الاعتماد الأكبر على منصات التواصل الاجتماعي، التي باتت مصدراً رئيسياً للمعلومات، رغم أنها متسمة أحياناً بنشر الشائعات والأخبار غير الدقيقة.[2] أيضاً كان انقطاع خدمات الإنترنت والكهرباء سبباً في أعاقة العمل الإعلامي وفتح المجال واسعاً للشائعات، وسيطرة خطاب الحرب والدعاية، وتراجع الصحافة المهنية لصالح إعلام التعبئة والتحريض.
في هذا السياق، لم تعد (حرية الصحافة) مجرد قضية قانونية، بل تحولت إلى قضية بقاء وسلامة شخصية، وتحولت من فاعل رقابي في المجال العام إلى ضحية مباشرة للصراع، وفقدت الصحافة قدرتها على أداء وظائفها الأساسية في نقل المعلومات، والتحقق منها، وتوفير معرفة موثوقة للمجتمع في لحظة حرجة.
في ظل النزاع المسلح، تراجعت الحريات الصحفية إلى أدنى مستوياتها، حيث سعت أطراف الصراع إلى احتكار السردية الإعلامية، وادعاء الرواية الحقيقية، وتجريم أي خطاب مستقل أو نقدي، فقد خلقت الحرب فراغاً معلوماتياً ملأته الأطراف المسلحة. وأصبح الصحفي مستهدفاً لمجرد التزامه بالمعايير المهنية، متهماً تلقائياً بالانحياز خاصة عند نقل و توثيق الانتهاكات أو كشف الآثار الإنسانية والبيئية للحرب.
ومع انهيار النموذج الاقتصادي للصحافة المتمثل في (توقف الإعلانات، تدمير البنية التحتية، الهجرة القسرية للكفاءات) تحولت الصحافة إلى عمل تطوعي هش، لأن حرية الصحافة لا تعيش دون استدامة اقتصادية. كما أسهم الاستقطاب الحاد في تآكل المجال العام وثقة الجمهور في الإعلام، وهيمنة خطاب التعبئة والدعاية، وتراجع الصحافة الاستقصائية والتحليلية، لصالح محتوى سريع، غير متحقق، أو موجَّه سياسياً، وفرض رقابة الأمر الواقع بقوة السلاح. وبذا غاب دور الصحافة في تخفيف الاستقطاب ومنع تأجيجه وتغطية النزاع من زاوية حقوق المدنيين والتمهيد لجهود بناء السلام والعدالة الاجتماعية.
تغييب الصحافة أوقف الحوار حول طبيعة الدولة وضرورات التغيير الإجابي، و لم يكن من الممكن أن يتيح تناول الاقتصاد السياسي للحرب، أو تفكك العقد الاجتماعي، أو نقل ما يحدث في الريف ومناطق النزاع بأداء إعلامي شفاف، و أدى ذلك الغياب إلى تفشي الانتهاكات البيئية في مجالات (التعدين، الأرض، المياه) وسمح بنهب الموارد دون مساءلة.
المخاطر المتعددة التي تواجه الصحفيين السودانيين
اتسمت المخاطر التي يواجهها الصحفيون في السودان خلال الحرب بطابع مركّب ومتداخل، يشمل مخاطر جسدية مباشرة كالقتل، الإصابة، الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري. و مخاطر نفسية ناتجة عن التعرض المستمر للعنف، الخوف، الصدمة، وفقدان الإحساس بالأمان. و مخاطر مهنية واقتصادية تتمثل في فقدان الوظائف، وانقطاع الدخل، وانهيار المؤسسات الإعلامية. ومخاطر قانونية متصاعدة في ظل غياب منظومة فعالة للحماية والمساءلة، وسيادة الإفلات من العقاب.
وبهذا الخصوص تقول منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة UNESCO:"في خضم هذه الاضطرابات، عانت وسائل الإعلام السودانية معاناةً شديدة. ففي مايو/ أيار 2025، قُتل تسعة صحفيين على الأقل أثناء تأدية عملهم منذ بدء الحرب. وتشير التقارير إلى تدمير ما يقرب من 90% من البنية التحتية الإعلامية في البلاد، ونزوح حوالي 1000 صحفي، مما ترك قطاعات واسعة من السكان في فراغٍ معلوماتي دون إمكانية الوصول إلى المعلومات المنقذة للحياة. في هذا السياق، تنتشر المعلومات المضللة والمغلوطة وخطاب الكراهية على نطاق واسع وبسرعة، ورغم هذه الصعوبات، يواصل الصحفيون تغطية الوضع الإنساني[3]”.
الإصلاح وإعادة بناء الصحافة السودانية
تتطلب إعادة بناء الصحافة السودانية مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والمؤقتة، وتربط بين الإصلاح القانوني، والحماية، والاستدامة، وتشمل ما يلي:
- إصلاح الإطار القانوني والمؤسسي إلغاء القوانين المقيدة للحريات، وسن تشريعات تضمن استقلال الإعلام وتعدديته، وتعزز حق الحصول على المعلومات، وفصل الإعلام عن هيمنة السلطة التنفيذية.
- حماية الصحفيين وضمان سلامتهم، وإدماج حماية الصحفيين ضمن أي ترتيبات سياسية لوقف الحرب، وتفعيل آليات وطنية ودولية لرصد الانتهاكات ضدهم ومحاسبة مرتكبيها.
- إعادة بناء المؤسسات الإعلامية دعم وسائل الإعلام المستقلة، وتعزيز الإعلام الرقمي والمجتمعي كخيار استراتيجي وبديل واقعي لإعادة بناء المجال العام في مرحلة ما بعد الحرب.
- تعزيز المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي، والتدريب في مجالات تغطية النزاعات، ومناهضة خطاب الكراهية والدعاية الحربية، وترسيخ الصحافة الحساسة للنزاع، وربط الصحافة بمبادئ حقوق الإنسان.
- الاستقلال الاقتصادي للإعلام تطوير نماذج تمويل شفافة ومستدامة تقلل من الارتهان السياسي والاقتصادي عبر دعم الصحفيين المتضررين اجتماعياً ومهنياً، وتدعم بقاء الصحافة كمؤسسة عامة في خدمة المجتمع.
و في ظل هذا الواقع الهش والمتأثر بالنزاعات يصبح من الضروري أيضاً تقديم حلول غير تقليدية في مجال الصحافة، حيث يأتي الابتكار بوصفه ضرورة بنيوية لا ترفاً تقنياً، فالصحافة في بيئات الحرب لم تعد تعاني فقط من القيود السياسية، بل من انهيار نماذج العمل التقليدية، وانكشاف الصحفيين أمنياً، وتفكك المؤسسات، وفقدان الثقة المجتمعية. وعليه، فإن الحلول المطلوبة يجب أن تكون تحويلية لا إصلاحية جزئية، تعمل على أن تبقى الصحافة حية، مستقلة، وذات معنى، مثل :
- إنشاء شبكات صحفية لا مركزية تعتمد على وحدات صغيرة مستقلة (خلايا صحفية مجتمعية)، تعمل دون مقر ثابت أو إدارة هرمية لتقليل المخاطر الأمنية والاستهداف، وكسر احتكار السرد المركزي للأخبار، وتمكين المجتمعات المحلية من إنتاج المعرفة عن نفسها.
- دمج الصحافة البيئية مع صحافة النزاعات لرصد العلاقة بين الحرب، الموارد الطبيعية، والانتهاكات البيئية، و تحويل البيئة من “موضوع هامشي” إلى مدخل تحليلي للصراع، وإنتاج محتوى يخدم العدالة البيئية وحقوق المجتمعات المتأثرة بالحرب وأنشطة التعدين وإستخراج النفط، ويعزز الحوكمة الرشيدة في إدارة الموارد والإنصاف البيئي.
- تفعيل الصحافة التشاركية الحمائية، بإشراك المواطنين كمصادر وشركاء، لا كـ“مراسلين مكشوفين”، عبر طبقات حماية تقنية وقانونية، وفصل هوية المصدر عن المحتوى كلياً باستخدام وسطاء تحريريين لحماية المجتمعات المحلية بهدف توسيع نطاق التغطية في مناطق مغلقة أمنياً وتقليل المخاطر على المدنيين.
- إعادة تعريف المنفى من حالة ضعف إلى موقع إنتاج معرفي بإنشاء (غرف تحرير سودانية) في الخارج مرتبطة بشبكات داخلية آمنة، وتحويل الشتات إلى مصدر تمويل، وخبرة، وحماية سياسية. بهدف ضمان الاستمرارية المهنية وحماية الذاكرة الوطنية من التزييف والنسيان.
- الإشتغال على صحافة السلام الاستباقية، للانتقال من تغطية الصراع بعد اندلاعه إلى رصد مؤشرات الانفجار المبكر، باستخدام البيانات المجتمعية لرصد خطاب الكراهية، والنزاعات حول الموارد، والتحركات المسلحة. و تقديم محتوى تحذيري لصناع القرار والمجتمع المدني.
- إعتماد نماذج تمويل وبدائل مبتكرة مثل (التمويل الجماعي القائم على القضايا) عبر اشتراكات تضامنية، أو شراكات مع مراكز أبحاث بدلاً من الإعلانات التجارية، بهدف تحرير الصحافة من الارتهان السياسي والاقتصادي.
- ربط الصحافة بالبحث العلمي، والتحول من “صحافة الخبر” إلى “صحافة المعرفة العامة” وتقديم محتوى يفسّر، يُحلّل، ويُبسط فهم القضايا المعقدة (الحرب، الاقتصاد، البيئة، الأمن الغذائي) وتقديم الصحفي بوصفه “وسيط معرفة” لا ناقل حدث فقط.
شرط نجاح هذه الحلول وجود إطار أخلاقي صارم يحمي الضحايا والمصادر، ومقاربة حقوقية تضع حرية التعبير ضمن منظومة العدالة الاجتماعية، وتوطين المعرفة وعدم استنساخ نماذج غير ملائمة للسياق السوداني، ففي سياقات الحرب، لا تكون الصحافة مجرد ناقل للوقائع، بل أداة مقاومة معرفية، وحارساً للذاكرة الجماعية، ومساهماً في إعادة بناء المجال العام. وعليه، فإن الحلول المبتكرة ليست خياراً إضافياً، بل شرطاً لبقاء الصحافة نفسها.
يعيش الإعلام السوداني اليوم أحدى أصعب الفترات، فالتحديات التي يواجهها ليست مجرد عراقيل مهنية، بل انعكاسات لصراع أعمق داخل المجتمع السوداني نفسه. تكشف تجربة الحرب في السودان أن أزمة الصحافة ليست وليدة الحرب وحدها، بل نتيجة تراكم طويل من القمع والتهميش وغياب الإصلاح، وهي أزمة بنيوية متجذرة في طبيعة الدولة وعلاقتها بالمجال العام.
غير أن ما بعد الحرب يتيح، رغم الألم، فرصة لإعادة التفكير في دور الصحافة بوصفها ركيزة أساسية للسلام والديمقراطية، فإن إعادة بناء الصحافة بعد الحرب تمثل شرطاً لا غنى عنه لأي انتقال ديمقراطي مستدام، وبناء دولة مدنية، إذ لا يمكن تحقيق السلام، أو العدالة، أو إعادة الإعمار، ولا منع تكرار الحروب، دون صحافة وإعلام حر، مهني، وآمن، قادر على استعادة الثقة، وحماية الذاكرة الجماعية، والإسهام في بناء مستقبل قائم على المعرفة والإنصاف.
[1] (Support for Sudan Media Forum's 'Silence Kills' campaign) Free Press Unlimited-6 November 2024- Link
[2] (The Media Landscape in Sudan During the War) Mohammed Babiker Al-Awad- Aljazeera.net- 2 May, 2025 – Link.
[3])Despite the dire circumstances, journalists in Sudan continue their work with remarkable resilience( UNESCO - 2 June 2025 – Link.