تقرير : سودان سكوب
أثارت تصريحات القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمس في القطينة في ولاية النيل الأبيض جدلاً واسعاً محليا ودولياً، إذ أكد على استمرار المؤسسة العسكرية وحلفائها في الحرب إلى أن يتم القضاء على قوات الدعم السريع أو خسارة المعركة، وهو ما اعتُبر مناقضاً لرسالة الشكر التي وجهها البرهان نفسه للرئيس الأمريكي دونالد ترمب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بسبب قرارهما الانخراط الجدي لإنهاء الحرب في السودان في السودان بشكل سلمي.
الجدير بالذكر أن تصريحات ترمب خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة وجدت قبولاً واسعاً في الأوساط السودانية، حتى تلك التي كانت تؤيد استمرار الحرب إلى أن ينتهي الأمر بانتصار ساحق للجيش، كما قوبل هذا الموقف بترحيب واسع من عدة قوى سودانية؛ أبرزها تحالف القوى المدنية الديمقراطية (صمود)، وتحالف تأسيس، بجانب العديد من القوى المدنية والسياسية.
البرهان وحلفاؤه في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع الرباعية والمجتمع الدولي
أعادت تصريحات البرهان المشهد السوداني إلى ما قبل الزيارة التاريخية للأمير السعودي إلى واشنطن والذي وضع من خلالها القضية السودانية على رأس أولويات اللقاء مع حاكم البيت الأبيض، وكان الجيش السوداني ومن خلفه حلفائه في الحركة الإسلامية أطلقوا أكبر حملة استنفار منذ بداية الحرب قبل أكثر من عامين، لكن النتيجة كانت مخيبة للآمال بالنسبة لدعاة الاستنفار، وسادت موجة الرفض في المجتمع على الأرض وكذلك في مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت تسيطر عليها القوى المؤيدة للحرب من الجانبين، حيث أضحت ساحة للاحتراب أكثر من ميدان المعركة.
ووضع البرهان نفسه وحلفائه أمام مواجهة مباشرة الرباعية وبقية دول العالم المهتمة بالشأن السوداني والتي أبدت دعما واسعاً لجهود الولايات المتحدة وشركائها في القاهرة والرياض وأبوظبي مما اثار العديد من التساؤلات عن الانقلاب الشامل في موقف الجيش الذي أشاد بالمسار السلمي لحل النزاع السوداني، وفتح الباب أمام محاولات التحليل والتفسير لهكذا موقف يضع البرهان في فوهة البركان، خاصة في ظل السياسة الحازمة للإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ترمب، كما يغامر البرهان بخسارة مصر والسعودية اللتان تؤيدان كل سطر ورد في بيان الرباعية سبتمبر الماضي.
هل يربط الفريق البرهان مصيره بمصير الإسلاميين؟
ومنذ انطلاق محادثات جدة ثم مساري المنامة وجنيف، ظل البرهان ومعاونوه يبعثون رسائل متناقضة بشأن عملية السلام؛ قبول مبدئي يعقبه تراجع، أو تعهّد يقابله مراوغة سياسية، وفق مراقبين. ويشير هؤلاء إلى أن موقف البرهان تجاه التسوية السلمية ليس موقفاً أصيلاً، بل يخضع لحسابات داخلية معقّدة.
ويؤكد محللون أن قاسمًا مشتركًا ظهر في كل المبادرات الدولية، يتمثل في ضرورة الحد من نفوذ الإسلاميين داخل الجيش ومنع عودتهم إلى المشهد السياسي بعد الحرب. وكلما تقدّم مسار يحقق هذا الشرط، واجه رفضاً واضحاً من القوى الإسلامية، يتبعه تضاؤل التزام البرهان بذلك المسار، إما بالمراوغة أو بالتراجع الكامل.
تستند مبادرة ترامب إلى المخرجات التراكمية لمختلف المنابر السابقة، بما فيها بيان الرباعية الدولية الصادر في سبتمبر، الذي نصّ بوضوح على أن مشاركة الإسلاميين في مستقبل السودان بعد الحرب خط أحمر. وقد شدّد مستشار ترامب لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا على هذا المبدأ، ملمحاً في الوقت نفسه إلى إمكانية تنسيق الجهود مع قطر وتركيا في الملف السوداني. غير أن دوائر إسلامية سودانية تلقفت الجزء المتعلق بالتنسيق الإقليمي وعمّمت تفسيراً مبتوراً منه، مُهملة التأكيد الأساسي بأن وجودهم في التسوية غير مقبول دولياً.
ويرى مراقبون أن البرهان يربط تقدّمه نحو السلام بضمان بقاء الإسلاميين إلى جانبه، وإن فُقد هذا الشرط فهو يفضّل استمرار الحرب.
ويشير محللون إلى أن استمرار هذا النهج يهدد بإجهاض الفرصة التي أتاحها التدخل الأميركي-السعودي، وربما يدفع الرباعية إلى البحث عن خيارات بديلة. كما قد يؤدي إفشال هذه المبادرة، وفق تقديرات مراقبين، إلى انزلاق البلاد نحو حرب طويلة الأمد، بما يحمله ذلك من مخاطر انهيار الدولة أو انقسامها إلى مناطق نفوذ يسيطر.