الكباشي أحمد عبدالوهاب
لا غنى للباحث والمحلّل الأمين لأي قضية تتناول تفسير ديناميكيات النظم السياسية عن العودة إلى التاريخ وربطه بالحاضر واستشراف المستقبل؛ فالسلوك السياسي، وخاصة ذلك الذي يتكئ في نتائجه على التراكم والانسياب النمطي، لا يُقرأ بمعزلٍ عن جذوره. ومن بين هذه السلوكيات، يظل العمل الدبلوماسي واحداً من أكثرها حساسية وأبعدها أثراً، فهو ركن أصيل من أركان الدولة الحديثة، والعمود الذي تستقيم عليه سياستها الداخلية والخارجية معاً. ولهذا تتبارى دول العالم، صغيرها وكبيرها، في صقل أدواتها الدبلوماسية، وتطوير مساراتها الناعمة، حتى تلك التي تملك من بأس القوة الصلبة ما يغنيها – ظاهرياً – عن اللجوء إلى غيرها.
ولعلّ بروز مصطلح "القوة الناعمة" في تسعينيات القرن الماضي، على يد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد جوزيف ناي، أكبر دليل على أن القوة لا تُقاس بالعتاد وحده، بل بما يملكه العقل السياسي من فنّ التأثير والإقناع. والمفارقة أن صاحب المصطلح ينتمي إلى دولة تملك أعظم ترسانة عسكرية عرفتها البشرية، ما يجعل استنتاجه ميالاً إلى الطبيعة الفطرية التي تتوق إلى السلم، وإلى تحقيق المصالح بألين الوسائل وأرقّها… وما من أداة أكثر نعومةً من الدبلوماسية نفسها.
وقد عرفت الدبلوماسية السودانية منذ نشأتها حقباً متعددة، راكم خلالها الرواد الأوائل والأجيال اللاحقة خبرات ثرّة أسهمت في بناء مدرسة دبلوماسية مميزة في فضائها العربي والأفريقي. غير أن المسار لم يكن مستقيماً؛ فقد حققت الدبلوماسية السودانية نجاحات باهرة واختراقات معتبرة، لكنها في المقابل واجهت كبوات وانتكاسات لا يزال أثرها ممتداً حتى اليوم، وربما لأمد قد يطول ما لم تُتح لها فرصة إصلاح حقيقي يستند إلى الإرادة الوطنية الحرة.
ولفهم ما يجري الآن، لا بد من استدعاء الماضي، حتى لا يبدو للمتابع أن المآل المأساوي الذي ظلّل كل القطاعات – وفي مقدمتها الدبلوماسية – قد هبط فجأةً يوم الخامس عشر من أبريل 2023، كما يريد بعض المفتئتين على الحقائق أن يصوّروا. فهؤلاء بلغوا من التبسيط حدّ الظن المستيقن بأن تاريخ السودان يبدأ من يوم انطلاق الرصاصة الأولى في المدينة الرياضية، وبلغ الغباء مبلغا أدى للتغافل عن بديهيات العقل ومنطق الأشياء، كرفض بداهة أن للحرب طرفين، وأن الانتهاكات لا تتغير بتغير مرتكبها.
ومن المهم، لفهم سياق هذا الانحدار، أن نعود إلى محاضر البرلمان السوداني في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال عامي 1988–1989، حيث دارت سجالات حامية انتهت باستقالة وزير الدفاع لوقوفه مع الحل السياسي لقضية الجنوب. وعلى الضفة المقابلة، وقف وزير الخارجية آنذاك، الدكتور حسن الترابي، موقف الضدّ من مساعي السلام، ليبدأ منذ ذلك الوقت مسارٌ انحداري أصاب الدبلوماسية في مقتل.
لقد شكّل تسنّم الترابي لقيادة وزارة الخارجية في أواخر الديمقراطية الثالثة بداية التخريب المنهجي للدبلوماسية السودانية، ثم جاء انقلاب 30 يونيو 1989 ليمنح «القمقم الإسلاموي» سلطانه الكامل، فاستحالت الدبلوماسية إلى مجرد أداة حزبية بعد أن كانت ذراعاً وطنية، وبدأ التجريف الطويل الذي لم تنهه حتى مفاصلة الرابع من رمضان 1999، ثم استمرت آثاره إلى يوم الناس هذا.
ومنذ سقوط قلعة الدبلوماسية السودانية في يد الحركة الإسلامية، تدحرجت المنظومة من عثرات إلى هُوَّات، حتى وصلت القاع بتعطّلها التام يوم بدأت الحرب الأخيرة. فالبعثات التي أجْلَتْ نفسها خلال الهدن الإحدى عشرة في أبريل ومايو 2023 لم تعد بعدها إلى العمل إلا بأعداد لا تتجاوز أصابع اليدين في بورتسودان. وهكذا شُلّ الجسد الدبلوماسي شللاً يكاد يكون غير مسبوق في تاريخ السودان.
ولم يكن هذا الخراب وليد اللحظة، ولا قدراً مفاجئاً، بل حصيلة عمل طويل في التجريف الدؤوب لكل ما راكمته الدبلوماسية الوطنية عبر عقود. وما نراه اليوم امتداد مباشر لثلاثة عقود من العزلة والاختناق السياسي، ثم تشتت كامل جعل الغوغائية والشعبوية بديلاً للعمل الدبلوماسي الرصين، حتى تصدّر المشهد نفرٌ من الجهلة الذين اعتلوا منابر «الدبلوماسية الحنجورية» يصرخون بدل أن يحاوروا، ويؤجّجون بدل أن يطفئوا.
وفي ذروة هذا الانهيار، جاء البيان الصادر عن وزارة الخارجية في 27 أبريل 2023 – أي بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب – ليكشف القاع الأخلاقي والمهني الذي هوت إليه المؤسسة. فقد قالت الوزارة، بلسانٍ يُفترض أنه صوت الدولة، إنّه «ليس أمام ميليشيا الدعم السريع إلا الاستسلام أو الفناء». تخيّل أن هذه العبارة القاسية، التي لا تمتّ للدبلوماسية بصلة، خرجت من جهة يُفترض أنها الأقدر على حفظ لغة الدولة، وتجنّب خطاب الإبادة والتحريض، وصيانة الحد الأدنى من المهنية والسيادة. لقد كان ذلك البيان شاهداً دامغاً على تحوّل الوزارة من منصة للعقلانية والاتزان إلى منبر للوعيد والانتقام، ومن مؤسسة سيادية إلى ما يشبه «مكبّر صوت» في ساحة حرب.
وفي هذا المشهد الكالح، لا يجد المرء وصفاً أبلغ مما قاله المتنبي:
وذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ
وكأنما خُطّ هذا البيت ليصف حال أمةٍ يتقدّم فيها الصارخ على العالِم، والمهاتر على الدبلوماسي، والغوغائي على صاحب الرأي الرصين.
إنّ الدبلوماسية السودانية، التي كانت يوماً منارةً في محيطها، وجسراً يربط السودان بعالمه، تحوّلت اليوم إلى بئرٍ معطّلة، لا لغياب الرجال والنساء القادرين، بل لتحويلها قسراً إلى أداة في يد من ظنّوا أن الدول تُدار بالصراخ، وأن العلاقات الدولية تُبنى على الولاء لا الكفاءة. ولن ينهض هذا الصرح مجدداً إلا بإعادة بنائه على أسس وطنية صلبة، تستلهم تراثها المهني وتجتث دابر الغوغائية التي شادتها الحرب، وتسمو فوق ضجيج الشعارات إلى حكمة الدولة ومسؤولية التاريخ.
فالدبلوماسية ليست ترفاً، ولا زينةً للدولة، بل روحها التي تحفظ توازنها، ولسانها الذي تُخاطب به العالم… وإن تعطّلت الروح، سقط الجسد.