تحديات ما بعد الحرب
د عيسي حمودة
تناولت هذه السلسلة من المقالات تجربة ليبيريا في تنفيذ العدالة وتعزيز المصالحة والسلام بعد انتهاء الحرب الأهلية التي امتدت لما يقرب من خمس عشرة سنة. وقد استعرضتُ الملابسات التاريخية للحرب، وسلطتُ الضوء على تعثر مبادرات السلام المتعددة، سواء من دول إقليم غرب أفريقيا أو من المجتمع الدولي. وكان لنجاح اتفاقية أكرا في غانا عام 2005 دورٌ محوري في التأسيس لسلام واستقرار مستدامين في ليبيريا، حيث شكّلت لجنة الحقيقة والمصالحة إحدى أهم ركائز هذا الاتفاق. في الحلقة الثالثة، تناولتُ توصيات لجنة الحقيقة والمصالحة، التي شملت دعم وتعزيز العرف المجتمعي والمبادرات الشعبية في عمليات الصلح وتحقيق العدالة. وفي الحلقة الرابعة، أبرزتُ أهمية هذا الدور غير الرسمي في تحقيق العدالة والصفح وجبر الضرر بين الجناة وضحاياهم. وتؤكد الدراسات والتوثيق الميداني لتجربة ليبيريا الدور المحوري للأعراف التقليدية في تعزيز السلم الاجتماعي والعيش المشترك.
تقييم تجربة العدالة الانتقالية
في هذه الحلقة الخامسة والأخيرة، أُقيّم تجربة ليبيريا في مجال العدالة الانتقالية، وأناقش دورها في تحقيق الاستقرار ضمن حزمة سياسات تدخلات في التنمية والإصلاح الأمني منذ توقف الحرب عام 2003. ورغم اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى حرب أهلية وصراع إقليمي، فقد ساهمت عدة عوامل في تحقيق السلام، منها:
- الرغبة المجتمعية في إنهاء الصراع: تسعى المجتمعات المتضررة من النزاعات المسلحة طويلة الأمد إلى إنهاء الحرب بأيسر الطرق، مدفوعة بغريزة البقاء، دون أن يعني ذلك التخلي عن المطالبة بالعدالة.
- اتساع المشاركة في العمل المسلح: طول أمد الصراع يؤدي إلى انخراط فئات واسعة من المجتمع في العمل المسلح، مما يفاقم انتهاكات حقوق الإنسان ويعقّد جهود العدالة.
- تعقيدات ملف العدالة: المطالبة بالمحاسبة ظلت بندًا شائكًا خلال التفاوض وبعد السلام وفي ظل الحكومات المنتخبة الثلاث من 2005 و حتي الآن، و ذلك بسبب مخاوف من ضعف فعالية القضاء التقليدي، وكلفة التقاضي، مما أضعف ثقة المجتمع في النظام العدلي بعد الحرب. من المعروف أن طول أمد الصراع و تعقده صاحبه تزايد في أعداد الأفراد والجماعات المشاركة في العنف، مع ضعف مقدرات وموارد أجهزة العدالة، تأخذ إجراءات التقاضي وقتًا طويلاً. هذا البطء والعجز يضعف ثقة المجتمع في النظام العدلي ويحفز على تجدد الصراع.
- فصلت توصيات لجنة الحقيقة والمصالحة بين الأفراد المتورطين في الجرائم وبين الانتماءات السياسية أو التنظيمية، مؤكدة على ضرورة مساءلة من ثبت تورطهم في دعم أو تنفيذ أعمال عنف، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كانت توصيات لجنة الحقيقة والمصالحة شاملة وتضمنت توصيات تدعم أركان تحقيق السلام وتعزيزه. كما كانت التوصيات من قبل اللجنة تعنى بدور الأفراد - مقاتلين أو قادة - الذين ارتكبوا جرمًا أو انتهاكات في حق آخرين، وليس لمجرد انتمائهم السياسي أو التنظيمي كأعضاء أو حتى قياديين إذا لم يكن هناك ما يشير إلى تورطهم في أعمال العنف. على سبيل المثال، انتماء الفرد لتنظيم مشارك في الحرب لا يعني تلقائيًا أنه قاتل ومجرم! ولكن إذا ثبتت مساندة هذا الفرد في أعمال العنف - عبر دعم معنوي/دعائي أو دعم مادي - يصبح الأمر مختلفًا. كما أن مشاركة الأفراد في حمل السلاح تحت دعاوى الدفاع عن النفس تُدخل في دائرة التحقيق إذا ثبت تورطهم في انتهاكات جنائية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
- التسوية السياسية والعدالة: ساهم الجمع بين التسوية السياسية وخيارات العدالة في قبول الليبيريين بها. هذا وضع نتج عنه بقاء قيادات وأفراد المليشيات المسلحة والأحزاب السياسية الذين دعموا هذه التسوية طلقاء، و لكن لم يسمح لهم بالمشاركة في الفترة الانتقالية، وشملت بعضهم عقوبات دولية و أممية.
- كانت الجهات الداعمة للتسوية والحكومة الانتقالية والمجتمع ككل - عبر تنظيماته المدنية - مدركين هشاشة التسوية، و عملت علي دعم التوعية والإرشاد النفسي والدعم المادي لأسر الضحايا لتهيئتهم للتأقلم مع طبيعة ومترتبات القبول بهذا التحول.
- كانت توصيات لجنة الحقيقة و المصالحة شاملة و محل اجماع كبير رغم ما صاحبها من بطء في تحقيق إجراءات العدالة الانتقالية: تضمنت توصيات اللجنة حرمان بعض قادة الأحزاب و المليشيات و الأفراد الآخرين من المشاركة السياسية، وإحالة آخرين إلى المحاكمة، رغم بطء التنفيذ، إلا أن التدخلات المجتمعية ساهمت في دعم الاستقرار ومنع العودة إلى الحرب.
شهادات وملاحظات ميدانية:
أقمتُ في ليبيريا طوال فترة عمل لجنة الحقيقة والمصالحة، وعايشتُ مجريات عملها، من استجواب الأفراد إلى تنظيم لقاءات مجتمعية وبث جلسات الاستماع على الهواء مباشرة. وقد لاحظتُ أن العودة إلى الحديث عن مآسي الحرب كانت مؤلمة للطرفين، إذ تتطلب مواجهة الجراح القديمة، ووصف تفاصيل الانتهاكات. أعتقد ان الشفافية التي صاحبت عمل اللجنة، ساعدت في إشاعة الثقة بين الليبيريين وفي مساعدتهم علي التعافي. كانت في عملية أشبه بفتح جروح عميقة لتنظيفها — إذ تتطلب التحقيقات تناول ملابسات المواجهات الدموية، وصف كيفية القتل أو التعذيب أو الاغتصاب أو الاختفاء القسري. كما أنه ليس هناك ألم أشد من أن يجد الجلاد أو القاتل نفسه في مواجهة ضحاياه وأسرهم.
سألتُ زوجتي الليبيرية، التي نزحت أكثر من مرة و تفرقت اسرتها في المنافي بسبب الحرب، كيف قبلت بهذا الخيار الذي يسمح للجلادين والضحايا بالعيش معًا؟ فأجابت بأن الاستعداد النفسي، والإرهاق من الحرب، والثقة في الضمانات الإقليمية والدولية، كانت عوامل حاسمة في قبول هذا الواقع.
تميزت الحالة الليبيرية باتفاق على إصلاحات جذرية، خاصة في القطاع العسكري–الأمني، شملت تأسيس جيش وطني جديد، نزع السلاح، وتسريح المليشيات، وإعادة الدمج. وشُكّلت حكومة انتقالية مدنية من كفاءات مستقلة، لمدة ثلاث سنوات. وتضمنت تلك المساومة منح الرئيس السابق جارلز تايلور حق اللجوء السياسي، قبل أن يُعتقل لاحقًا لدوره في حرب سيراليون.
المشاركة الاقتصادية و السياسية بعد الحرب
فرضت الأمم المتحدة والحكومات الغربية عقوبات اقتصادية وحظر سفر على قادة النظام السابق والمليشيات، ورغم ذلك ظل بعضهم يمارس أعماله التجارية ويشارك في الحياة العامة.
مع انتهاء الفترة الانتقالية وقيام الانتخابات عام 2005، سُمح لأوجه و لأفراد النظام السابق و لقادةً المليشيات بالمشاركة السياسية، وانتُخب بعضهم في البرلمان. ومن أبرز الأسماء:
- السناتور برنس جونسون: أحد قادة الحرب، أعلن توبته، وأسّس حزبًا سياسيًا أصبح الثالث من حيث الشعبية، ولعب دورًا في تحديد الفائز بالرئاسة.
- السيدة جويل هوارد تايلور: زوجة الرئيس المخلوع، دخلت مجلس الشيوخ، ثم تولّت منصب نائب الرئيس في عهد جورج ويا.
كان للبعثة الأممية، بدعمها المالي والفني واللوجيستي، دورٌ بارز في حفظ السلام، وإعادة إعمار ليبيريا، ودعم الحكومات المنتخبة. وقد تناولتُ هذا الدور في مقال سابق على فيسبوك، لاقى اهتمامًا واسعًا في السودان.