الكباشي أحمد عبدالوهاب
منذ اندلاع الحرب في السودان، ظلّ سؤال السلام معلقا بين عجز الداخل واختلال الخارج. فعلى الرغم من فداحة الكلفة الإنسانية والأخلاقية للصراع، لم يشهد المسار السياسي أي اختراق حقيقي يضع البلاد على طريق تسوية قابلة للحياة. يعود ذلك، في جانب أساسي منه، إلى طبيعة التفاعل الدولي مع الأزمة، الذي اتسم بالارتباك، والتردد، وغياب القيادة القادرة على توحيد الجهود وكبح التنافس الإقليمي المحموم الذي حوّل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.
في هذا السياق، يبرز التراجع الأمريكي عن لعب دور قيادي فاعل في إدارة الأزمات الدولية بوصفه عاملًا حاسمًا في تفسير حالة الجمود الراهنة. فالأزمة السودانية شهدت تعاقب إدارتين أمريكيتين دون أن تُفضي جهودهما، المحدودة في الغالب، إلى تغيير ملموس في موازين الصراع أو في مسار العملية السياسية. تُرك الملف، سياسيًا وعسكريًا، لتوازنات إقليمية متضاربة، تقودها أطراف لكل منها أجندته الخاصة، دون وجود قوة دولية قادرة أو راغبة في فرض حدّ أدنى من الانضباط السياسي أو الضغط الجاد باتجاه حل سلمي.
ورغم أن الحل الأمثل لأي أزمة وطنية يظل حلا داخليا نابعا من توافق وطني شامل، إلا أن خصوصية الحالة السودانية تكمن في الارتهان العميق لأطراف الصراع لعوامل الدعم والتأثير الخارجي. هذا الارتهان جعل من وهم الحسم العسكري تصورا سائدا، رغم أن التوازن الإقليمي والدولي لا يسمح بانتصار كامل لأي طرف. ونتيجة لذلك، تستطيل الحرب، وتتآكل الدولة، وتلوح في الأفق سيناريوهات شديدة الخطورة، تبدأ بتفكك السودان إلى كيانين، وقد تنتهي بتشظيه إلى عدة دويلات.
لفهم هذا الواقع، لا بد من وضع الأزمة السودانية في إطار أوسع يتجاوز حدودها الجغرافية، ويتصل بالتحولات البنيوية في النظام الدولي. فالعالم اليوم يشهد تراجعا واضحا للدور القيادي الأمريكي، لا بمعنى الانكفاء الكامل، بل في شكل انسحاب انتقائي، وعداء متزايد تجاه المنظمات متعددة الأطراف، وتفضيل لإدارة الأزمات بأدوات محدودة التأثير.
في هذا السياق الفكري، كتب البروفيسور أميتاف أشاريا، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأمريكية في واشنطون، مقاله الشهير "العالم ناقص واحد" في افتتاحية مجلة "فورين بوليسي" في يناير الماضي، مجادلًا بأن غياب الولايات المتحدة عن قيادة النظام الدولي لا يعني بالضرورة الفوضى، بل قد يفتح المجال أمام ترتيبات دولية أكثر تعددية، تقودها قوى متوسطة ودول من الجنوب الكوني، على أسس مبدئية ومصالح جماعية. ويرى أشاريا أن العالم سبق أن تجاوز القيادة الأمريكية في محطات تاريخية مفصلية، وأن واشنطن ستعود يوما ما إلى النظام الدولي، ولكن بشروط أقل هيمنة.
في المقابل، حذّرت د. سوزان نوسل "زميل أول في مجلس شيكاغو للعلاقات الدولية" من أن هذا الغياب لن يفضي إلا إلى فوضى وهيمنة قوى كبرى أخرى، وعلى رأسها الصين، في ظل غياب جهة قادرة على ضبط إيقاع النظام الدولي. وبين هذين الطرحين، يظل المؤكد أن الأزمة السودانية تُعد مثالا حيا على كلفة هذا الفراغ القيادي، حيث لم يؤدِ الغياب الأمريكي إلى تعددية بنّاءة، ولا إلى فوضى خلاقة، بل إلى حالة من الشلل السياسي واستدامة الصراع.
في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: إذا كانت القيادة الأمريكية في تراجع، والتوافق الإقليمي متعذرا بسبب تضارب المصالح، فما البدائل الممكنة لدفع مسار السلام في السودان؟
هنا تكتسب فكرة إنشاء كيانات دولية أو شبه دولية جديدة، مثل مجلس السلام العالمي، أهمية خاصة. فمثل هذا المجلس، يمكن أن يلعب دورا إيجابيا في معالجة الأزمات المعقدة التي فشلت الأطر التقليدية في احتوائها.
يمكن لمجلس السلام العالمي أن يشكّل منصة مرنة تتجاوز القيود البيروقراطية للمنظمات متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي التابع لها، وتعمل خارج الاستقطابات الحادة بين القوى الكبرى. فبدلًا من الاعتماد على توافق دولي شبه مستحيل داخل مجلس الأمن، يمكن لهذا المجلس أن يضم دولا متوسطة التأثير، ومنظمات إقليمية، وشخصيات دولية ذات مصداقية، تعمل جميعها على أساس تفويض أخلاقي وسياسي لصناعة السلام، لا على أساس توازنات القوة الصلبة.
ورغم أن العلاقات السودانية–الأمريكية لم تُبنَ تاريخيا على أساس شراكة مصالح واضحة، فإن اجتذاب دور أمريكي داعم، حتى من خارج إطار القيادة التقليدية، يظل عاملا حاسما. فواشنطن، حتى في لحظة تراجعها، ما زالت تمتلك أدوات ضغط وتأثير لا يمكن تجاهلها، ويظل انخراطها الإيجابي، ولو بشكل غير مباشر، أسرع الطرق لكسر الجمود الحالي.
في ظل هذا الواقع المعقّد، تبرز أهمية إعادة التفكير في دور القيادة الأمريكية في الملف السوداني، رغم تراجعها العالمي ضمن الإطار التقليدي للتعددية الدولية. فالتناقض الحاد في المصالح الإقليمية، وتصاعد الاستقطاب في ملفات عديدة، يجعل من التوافق الإقليمي حول السودان أمرا بالغ الصعوبة. وفي هذه الحالة، ورغم أن التوافق السوداني – السوداني يظل الخيار الأمثل والأكثر شرعية، إلا أن تعذّر تحقيقه في المدى المنظور يجعل الحاجة إلى دور أمريكي فاعل وحاسم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، بوصفه العامل الأسرع تأثيرا في كسر حالة الجمود.
غير أن اجتذاب هذا الدور ليس مهمة سهلة. فهو يتطلب جهدا كبيرا من الفاعلين السياسيين السودانيين المؤمنين بالحل السلمي، ويتطلب في الوقت ذاته حذرا استراتيجيا في مخاطبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الإقليم والعالم.
ويظل التحدي الأكبر هو تراجع واشنطن نفسه، ونهجها العدائي المتزايد تجاه المنظمات متعددة الأطراف، وهو واقع لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه. من هنا، فإن مضاعفة الجهود لتغيير هذا الواقع، ودفع الولايات المتحدة نحو تفاعل إيجابي ومسؤول مع الملف السوداني، لا تبدو خيارا ترفيا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، إذا أُريد للسودان أن يخرج من دائرة الصراع إلى أفق الدولة المستقرة القادرة على لعب دور بنّاء في محيطها الإقليمي والدولي.
ختاما، فإن الأزمة السودانية لا تُختزل في صراع داخلي، ولا يمكن فهمها أو حلّها بمعزل عن التحولات الكبرى في النظام الدولي. وفي عالم "ناقص واحد"، حيث تغيب القيادة الأمريكية ولا يتبلور بعد بديل واضح، يصبح البحث عن صيغ مبتكرة لصناعة السلام، مثل مجلس السلام العالمي، ضرورة سياسية وأخلاقية، لا مجرد خيار نظري، إذا أُريد للسودان أن يخرج من دائرة الحرب إلى أفق الدولة المستقرة القادرة على الحياة.