المهندس / أحمد عبدالعظيم مكي

منذ نشأة الدولة السودانية الحديثة مروراً بالاستقلال والأعوام التي تلته، لم يكن السودانُ حديثاً أبداً، حيث غاب عنه وجه الحداثة الحديدي، الصناعة. وكأي بلدٍ يرزح تحت أكوام من الديكتاتوريات المتعاقبة والحروب الطويلة، لم يكن حظ الآلة في السودان أفضل حالاً من حظ البلاد نفسها، عدا من إشراقاتٍ محدودة وضيقة، لم تدخل البلاد عصور النهضة، بل أبقتها أسيرةً للفقر والاقتصاد التقليدي والاستيراد. ففي الشهور التي سبقت الحرب، كانت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج الإجمالي المحلي حسب التقديرات الرسمية لا تتخطى الـ 17%، وفي عام 2021 كان الناتج المحلي الإجمالي للسودان يبلغ 34.3 مليار دولار، تُسهم فيه الزراعة بنسبة 32.7% والخدمات بما تبقى، فيما لم تتجاوز الصناعة الـ 21% (1)، وللمقارنة فإن الجارة تشاد تبلغ نسبة مساهمة قطاعها الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي ما يقارب الـ 45%!
مع اندلاع الحرب في السودان وانتشارها غير المسبوق في كل ربوع البلاد، تدمرت البنية الصناعية بشكل شبه كلي، ففي العاصمة التي تحتضن أغلب المصانع التحويلية، تتحدث التقارير عن أن التدمير الكلي أو الجزئي طال 90% من الصناعات. وتشير تقديرات المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية إلى أن القطاع الصناعي وحده فقد ما يزيد على 50% من قيمته منذ اندلاع الحرب (2)، ولم تسلم محطات الكهرباء والبنى التحتية والإنسان نفسه. فقد شهدت البلاد ما وصفته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأنه أكبر أزمة نزوح في العالم، إذ بلغ عدد المهجَّرين السودانيين نهاية عام 2024 نحو 14.3 مليون شخص، أي ما يعادل واحداً من كل ثلاثة سودانيين (3). آثر كثيرون منهم اللجوء للأسواق القريبة وعرض إمكانياتهم الفنية والإدارية في أسواق الخليج خاصةً، مما وفَّر ملاذاً آمناً للسودانيين من أصحاب الخبرات المرتبطة بالقطاع الصناعي. وقد رصدت الدراسات المتخصصة خسارةً إجمالية في الوظائف تجاوزت 5.2 مليون وظيفة، كان نصيب قطاع الخدمات منها 2.7 مليون وظيفة (4)، فقَدَ السودان تلك الكفاءات التي راكمت خبراتها في ضجيج ورش السودان ومصانعه وتحدياته، ولن يكون بطبيعة الحال تعويضهم سهلاً، فالغالب منهم، بحكم المسؤوليات والطموح، فقده السودان وربما للأبد.
وفي قطاع النفط الحيوي، شكَّلت مصفاة الجيلي، الواقعة شمال مدينة بحري، عموداً لصناعة النفط في السودان وقلبها النابض، فالمصفاة التي شُيِّدت قبل ربع قرن، بطاقة إنتاجية 100,000 برميل في اليوم كانت ساحةً لعدد من المعارك الشرسة منذ سيطرة الدعم السريع عليها في بداية الحرب وحتى استعادة الجيش لها في يناير الماضي، لم تخلُ تلك المعارك من التدوين والقصف الجوي الذي دمَّرها بشكل كلي، مما ينذر باستحالة استعادة نشاطها في القريب العاجل. وفي عام 2024، لم ينتج السودان من الذهب إلا 64 طناً جلبت للخزينة المنهكة 1.57 مليار دولار فحسب، فيما تراجعت صادراته الزراعية بنسبة 43% (5) ، دليلٌ إضافي على أن قطاع النفط والثروة خرج ولن يعود قريباً. لكن الغائب الأكبر سيكون بلا شك آلاف المهندسين والعمال المهرة الذين فقدوا وظائفهم وطفقوا يبحثون عن بدائل أخرى تقيهم العوز والفاقة.
ولم يكن قطاع الكهرباء بأوفر حظاً من قطاع النفط، فالقطاع الذي كان ضعيفاً ومحدوداً وبعيداً جداً من سد حاجة البلاد من الكهرباء قبل الحرب، تقلَّصت طاقته الإنتاجية بالهجمات المتكررة على المحطات التحويلية في مروي وأم دباكر وأمدرمان، بالإضافة للتخريب الممنهج الذي طال المحوِّلات والكوابل وأعمدة الكهرباء. قلَّصت هذه الجرائم والتعديات وصولَ الكهرباء للناس، ففي بعض المناطق غابت لأشهر، مخلِّفةً آثاراً مدمِّرة على القطاعين الصحي والزراعي. وحتى مع غياب الاستهلاك الصناعي، فإن العقبات اللوجستية القائمة حدت بالكثيرين للبحث عن بدائل الطاقة المستدامة خارج الشبكة القومية، ما يُعدُّ تغييراً جوهرياً في صناعة الطاقة في السودان، ومع ذلك يظل التحدي قائماً، فاستعادة النشاط الصناعي في السودان يحتاج لقدرات إنتاجية تتجاوز ما كان عليه قبل الحرب.
وبالحديث عن مستقبل الصناعة في السودان، فالعديد من التحديات أطلَّت برأسها بسبب الحرب. فالدمار الشامل سالف الذكر لا يعدو شيئاً يُذكَر بالمقارنة مع كارثة استمرار الحرب نفسها وأثرها التدميري المباشر على الإنسان والبيئة. فحجم الاقتصاد السوداني الذي بلغ 56.3 مليار دولار عام 2022 تقلص إلى ما دون 32.4 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025، أي انكماشاً يصل إلى 42% من قيمة الاقتصاد (2). والبشر ليسوا وحدهم الذين غادروا السودان، لكن التمويل والاستثمار والثقة كلها غادرت مكرَهةً. بل إن تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد دراسات الأمن يُحذِّر من أنه حتى في ظل سيناريو التفاؤل بتحقيق السلام عام 2026، فإن السودان سيخسر ما يُقدَّر بـ 18.8 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي بحلول عام 2043 [6].
والمؤسف أيضاً غيابُ أي أفقٍ أو أمل في القريب العاجل للوصول إلى حلٍّ سلمي للنزاع القائم. فالتدمير الذي طال قطاع الصناعة تسرَّب أيضاً للقطاعات الأخرى وعلى رأسها الزراعة والصحة، مما ينبئ بكوارث عدة لا سبيل للنجاة منها إلا باستعجال وقف الحرب ومعالجة آثارها الكارثية في أقرب فرصة. أما استعادة النشاط الاقتصادي فالأجدى مساءلة وضعه المائل قبل الحرب: ما الذي قادنا إليه، وكيفية تفاديه في ضحى الميلاد الجديد. لكي نصبح أمةً قادرة على النهوض، لابد من طرح الأسئلة الصحيحة واستنتاج الاستراتيجيات الصناعية طويلة المدى المعتمدة على إنتاجنا الزراعي ومواردنا المعدنية، مما سيشكِّل فرصةً لملايين السودانيين من استعادة حياتهم وتلبية حاجاتهم.كانت الحكومة الانتقالية قد قطعت أشواطاً في الإجابة على هذه الأسئلة؛ ففي مؤتمر باريس عام 2021، احتشد المانحون الدوليون وأعلنوا دعمهم لمسار التحول الديمقراطي في السودان، وتعهَّدوا بحزم تمويلية تجاوزت مليار دولار لدعم الاقتصاد السوداني في مرحلة إعادة الهيكلة، كان ذلك لحظةً نادرة انفتح فيها العالم على السودان بعد عقود من العزلة. أما أحزمة حمدوك الخمسة، فقد شكَّلت رؤيةً اقتصادية متكاملة تقوم على تحرير سعر الصرف، ودعم الإنتاج الزراعي، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وإعادة دمج السودان في المنظومة المالية الدولية بعد رفع اسمه من قوائم الإرهاب، كانت خارطة طريق واعدة لسودان مختلف. غير أن انقلاب أكتوبر 2021 أجهض كل ذلك في لحظة، وأوصد في وجه السودان أبواباً كان فتحها قد كلَّف سنوات من الدبلوماسية الشاقة والإصلاح المؤلم. فكم من الوقت سنحتاج للعودة من حافة النجاة إلى أفق البناء.


المراجع
[1] Sudan Tribune — IMF warns of devastating GDP contraction in Sudan (2024): https://sudantribune.com/article282396
[2] IFPRI — Sudan's war is an economic disaster: Here's how bad it could get: https://www.ifpri.org/blog/sudans-war-is-an-economic-disaster-heres-how-bad-it-could-get/
[3] UNHCR — Global Trends 2024 / Sudan Displacement Crisis: https://www.unhcr.org/global-trends
[4] PMC / Health Science Reports — The Effects of Sudan's Armed Conflict on Economy and Health (2025): https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11803073/
[5] Africanews — Sudan's war has left the country's economy shattered (2026): https://www.africanews.com/2026/01/14/sudans-war-has-left-the-countrys-economy-shattered/
[6] Al Jazeera — Erosion of a country's future: What has the war cost Sudan? (2026): https://www.aljazeera.com/news/2026/4/15/erosion-of-a-countrys-future-what-has-the-war-cost-sudan