تقرير- سودان سكوب
تزداد الحرب في السودان توحشاً تجاه المدنيين بشكل مستمر، ومع مرور الوقت انحسرت المعارك المباشرة بين المتقاتلين، واعتمدت أطراف النزاع على الطيران المسير الذي كان يتركز نطاق عمله في الأعمال القتالية المباشرة، ولكن شيئاً فشيئاً اتجهت المسيرات لتدمير البنية التحتية بالتركيز على مصادر الكهرباء والمياه والمستشفيات، ومن ثم تخصصت في الأسواق وأماكن تواجد المدنيين.
قبل أيام أعلن مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية "توم فيلتشر" أن نحو 700 مدني قتلوا بطائرات مسيرة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الجارية، وبهذا التصريح الصادم فتح "فليتشر" الباب أمام السؤال الموضوعي عن ماهية الحل المتوقع من المجتمع الدولي الذي ليس مناطاً به فقط رصد الانتهاكات وتحديد طبيعتها، بقدر ما متوقع منه ابتدار حلول جذرية توقف إطلاق النار، وابتكار آلية مراقبة فعالة تسهم في خفض الجرائم تجاه المدنيين.
من المؤكد أن مساحة التقرير لا تكفي لرصد الانتهاكات وجرائم الحرب التي ارتكبتها الأطراف المتقاتلة من خلال استخدام الطيران المسير، الغرض الأساسي هو البحث عن حلول تمكن العالم من مساعدتنا في وقف هذه الآلة التي أصبحت هي الأداة الأولى في ازهاق الأرواح وتدمير الممتلكات العامة والخاصة.
على المستوى الدولي ظهر استخدام المسيرات عسكرياً في عمليات مطاردة الولايات المتحدة للجماعات المتطرفة، وقد حقت نجاحاً في أفغانستان واليمن، وازداد استخدام الطيران المسير في السنوات الماضية، وشكل عاملاً حاسما في حروب داخلية ودولية، على سبيل المثال شكل الطيران المسير "التركي" أداة الحسم الأساسية حرب (أرمينيا/ أذربيجان) من حيث تدمير الآليات العسكرية والتفوق الاستخباراتي، ولعل المفارقة تكمن في مساهمة المسيرات - ضمن عوامل أخرى- في انهاء النزاع بشكل أسرع مما توقع المراقبون، كما أسهمت بشكل مؤثر في صمود أوكرانيا في حربها مع روسيا الاتحادية.
استخدام المسيرات في الحروب لم يبدأ في السودان، إلا أن الحقيقة الناصعة أن استخدام الطيران المسير بشكل مكثف ضد المدنيين سيكون علامة مسجلة باسم حرب السودانيين ضد بعضهم البعض!
تطاول أمد الحروب في تاريخنا الحديث انعكس بشكل سلبي على مساهمتنا في تطور ورفاه المنطقة والعالم، ولكن يمكن ملاحظة الفائدة التي جناها المجتمع الدولي من تجربة عملية "شريان الحياة" التي مكنت العالم من مساعدة المدنيين أثناء استمرار القتال الذي لم يتوقف إلا بعد سنوات طويلة من تدشين العملية الإنسانية الأكثر كفاءة في إغاثة المدنيين، ومن هذه الزاوية يمكن أن نطرح سؤالاً عن إمكانية ابتداع حل جذري لمسألة استخدام المسيرات في الحروب انطلاقاً من حربنا الحالية لينعكس ايجاباً على مسار التشريعات وكفاءة الرقابة الدولية على المعارك مستقبلاً؟
تتركز الحرب في السودان في مرحلتها الحالية ميدانياً في إقليم كردفان بولاياته الثلاث، كما تجري بعض المعارك في إقليم النيل الأزرق، لكن بالمقابل تصل نيران الحرب كل السودان بفضل استخدام الطيران المسير، ويعود ذلك لحد كبير إلى استنزاف الطرفين من ناحية الموارد البشرية والآليات العسكرية، لهذا في حال صدر قرار دولي بحظر الطيران المسلح في السودان شاملاً الطيران التقليدي والمسير، فمن المتوقع أن ينخفض الضرر على المدنيين، وقد يجعل ذلك طرفي النزاع في حالة اضطرار إلى الموافقة على السلام بعد أن يتم نزع هذه السلاح المؤثر.
وبما أن العالم اكتسب خبرة تشريعية وتقنية في الرقابة على الطيران التقليدي بعد تجارب حظر طيران ناجحة في العراق ويوغسلافيا السابقة ومؤخراً في ليبيا، لكن مع تطور القتال ودخول الطيران المسير كعامل أساسي في الحروب يحتاج العالم لتطوير آلياته في التعامل مع المسيرات من خلال إيجاد تشريعات وأدوات رقابة تمكنه من حظر استخدامها عسكرياً في منطقة محددة في حال تم التوصل على قرار حظر طيران في أي حرب، ولتكن حرب السودان هي أولى الحروب التي يتمكن فيها المجتمع الدولي من حظر الطيران المسير.
وبحسب خبراء تحدثت إليهم منصة "سودان سكوب" فإن قضية حظر الطيران المسير تحتاج إلى خطوات تشريعية تواكب التقنية، بجانب التحديات التقنية المعقدة التي ستواجه الجهة المنفذة للحظر، ويفيد أحد الخبراء الذين تحدثوا إلى المنصة أنه من حيث المبدأ يمكن لجهات دولية ذات موارد أن ترصد حركة رصد الطيران المسير التكتيكي لأنه يحتاج إلى مطارات أو مهابط، أما المسيرات الانتحارية فيصعب مراقبتها بسبب سهولة اطلاقها، ويضيف أن البداية يمكن أن تركز على حظر بيع أو نقل أي تقنيات مرتبطة بالمسيرات سواء برمجيات أو محركات او أجهزة تحكم إلى الاطراف المتنازعة.
ومن المتوقع أن تشكل آلية الرقابة على الطيران المسير التحدي الأكبر في حال استصدار قرار دولي بالحظر، وذلك بسبب سلاح الإنكار الذي يستخدمه طرفا النزاع في السودان منذ انطلاق الرصاصة الأولى، بجانب تعدد مراكز القرار في كل طرف وعدم سيطرة قيادة الجيش او الدعم السريع على المجموعات المتحالفة.
وبسبب حداثة قضية حظر المسيرات في الحروب، والتعقيد التقني والتشريعي والسياسي نعمل في " سودان سكوب" على إعداد دراسة متعمقة تشمل كافة الجوانب المرتبطة بالعملية لتشكل إطاراً عملياً للنظر في التخفيف من معاناة المدنيين بعيداً عن تعنت أطراف النزاع في السودان.