حين لا تستطيع النجاة أن تركض

قصة : سحر علي

في زاوية ضيقة من حي "بيت المال" العريق في أم درمان، لم يكن صرير العجلات الذي يسمعه "عمر" نابعاً من دراجة طفل يمرح، بل كان صوت كرسيه المتحرك الذي بات القيد والمنقذ في آن واحد

  • لقاء ابدي

لا ينسى عمر عبد الله (36 عاماً) اليوم الذي التقى فيه بكرسيه لأول مرة كان ذلك في محل صغير لبيع عجلات زوي الإعاقة الحركية ببحري حيث اختار كرسياً بسيطاً ذي إطارا رمادي، بعجلتين خلفيتين كبيرتين وأخريين صغيرتين أماميتين وذراعين قابلين للرفع، جلس عليه وشعر للحظة أنه يمتلك العالم منذ ذلك اليوم لم يفترقا.
عرفه الكرسي أكثر مما يعرفه أقرب الأصدقاء، عرف ثقل جسده، عرف طريق الحمام في منزله الضيق، عرف حفر الشوارع والرصيف أمام المخبز وعرف كيف يصمت عندما يبكي عمر في الليل.

قبل الحرب كانت الخرطوم مدينة قاسية على أمثال عمر أرصفة مبتورة مواصلات لا تعرف كراسي ذوي الإعاقة الحركية ومباني حكومية يعلوها درج بلا منحدر كان الكرسي يمر بجانب حدائق عامة لا يستطيع دخولها ومحال تجارية أبوابها تضيق به.
يتذكر عمر الذي فقد القدرة على المشي منذ طفولته إثر حمى شوكية، يقول عمر "كنت أشعر أن مدينتي تقول لي أنت غير مرغوب فيك، لا مقاعد لك في الباصات، لا مصاعد في العمارات، لا توجد سوى نظرات الشفقة التي تقتل أكثر من الجفاء" من الواضح أن عمر لم يتخيل يوما أن الخرطوم التي ألف ضجيجها الحميم، ستتحول إلى ساحة حرب لا ترحم الضعفاء ولا تعترف ببطء الحركة.

حين انقلبت السماء

في صباح الخامس عشر من أبريل 2023م قال عمر "سمع الكرسي قبل أن أسمع أنا صوت الانفجار" فقد اهتز هيكله المعدني فجأة، وكأن زلزالاً قد ضرب الأرض، ثم جاء دوي قصف مدفعي عنيف من ناحية الإذاعة والتلفزيون، اهتزت النوافذ في الحي، وارتفع دخان أسود من جهة الخرطوم، كان عمر لا يزال في فراشه
صرخ "في شنو ؟"
فركض والده إلى النافذة ثم عاد مرتعدا"في ضرب نار يا عمر ياولدي… ما تكون حرب"
كانت الأيام التالية كابوسا لا ينتهي، حيث توالى القصف ليل نهار، وانقطعت الكهرباء والمياه، ظل الكرسي واقفا في زاوية الغرفة يراقب ماذا سيحدث لصاحبه الذي لم يعد يجرؤ على الاقتراب من الشبابيك؟
يقول عمر بصوت يرتجف كلما استعاد الذكرى وهو يحكي لي ما حدث له "في الحرب الثانية تعني الحياة أو الموت، فيما يحتاج الكرسي المتحرك إلى ثوان إضافية للالتفاف، وثوان أخرى لتجاوز عتبة الباب، في تلك اللحظات شعرت لأول مرة أن جسدي خذلني تماما"
استمر الحصار على حي بيت المال لأسابيع، انقطعت الكهرباء وشح الماء، وبدأت القذائف تسقط عشوائيا كان منزل عمر يقع في منطقة تماس خطرة، رفض والداه واخوته المغادرة بدونه، وقد كان يتوسل إليهم أن ينجوا بأنفسهم يقول عمر "كنت أرى الخوف في أعينهم، ليس من الموت، بل من فكرة تركي وحيدا خلفهم، ثم يروي عمر أن التحدي الأكبر لم يكن الجوع، بل كان الوصول إلى الحمام، أو التحرك داخل المنزل، ومع اهتزاز الأرض تحت وقع الانفجارات، كان الكرسي المتحرك يصطدم بقطع الأثاث التي تناثرت بفعل الضغط الجوي للانفجارات القريبة، مما جعل كل حركة بمثابة معركة صغيرة داخل المعركة الكبرى، لا بسبب ضيق مساحة المنزل، بل خوفًا من قذيفة طائشة.
في اليوم الثامن للحرب دخل المسلحون العمارة المجاورة لمنزل عمر، سمعوا طلقات رصاص وصراخًا، أدرك عمر أنه لا مفر، ويجب عليه النزول من الطابق الأعلى.

  • سقوط مفاجئ
    بدأت رحلة النزول على الدرج بخطوات محسوبة، فقد كان الكرسي ينظر بعجلاته العاجزة إلى ذلك السلم العالي متعدد الإدراج والمظلم لانقطاع التيار الكهربائي. رفعه والده بمعاونة أخيه من تحت إبطيه، وأجلساه على أول عتبة من الدرج، وحمل والده الكرسي، لكن فجأة انزلقت قدم والد عمر من على الدرج المبلل بالمطر وتدحرج الكرسي خلفه محدثًا دويًا مرعبًا.
    وقف الوالد مصعوقًا مما حدث، كان الكرسي على جنبه والعجلة الخلفية اليمنى قد انكسرت جزئيًا، وانثنى الذراع الأيمن بشدة، حاول الوالد تقويمه بيديه العاريتين لكن الحديد لم يلن.
    قال عمر "صرخت من الألم ومن المشهد قلت لا لا… الكرسي… كيف سأتحرك؟"
    كانت لحظة حاسمة، رفع الوالد بمعاونة الأخ عمر من على الدرج، وأنزلوه بحذر ووضعوه على الأرض، على الرغم من الألم المبرح، جلس عمر فوق الكرسي المعطوب وشعر أن الحديد يئن تحته، لكنه صمد.
  • الزحف نحو الحياة

قررت الأسرة الخروج عندما سقطت قذيفة في فناء المنزل المجاور، محولةً إياه إلى ركام لم تكن هناك سيارات تجرؤ على دخول الحي كان الحل الوحيد هو السير أو الزحف بالعجلات

بداية الرحلة

بدأت الرحلة في الخامسة صباحاً، كان أحمد شقيق عمر يدفع الكرسي بقوة، بينما تحاول الأم والأب حمل ما تيسر من ثياب ووثائق. كانت الشوارع عبارة عن حقل ألغام من الركام، والأسلاك الشائكة والجثث المتناثرة التي بدأت تتحلل.
خرجوا إلى الشارع في مشهد أشبه بأفلام الرعب، الشوارع خاوية إلا من جثث متفرقة وسيارات محترقة. كان الكرسي يتحرك بصعوبة بالغة، العجلة المكسورة كانت تلف بشكل بيضاوي مما يجعل كل دورة منها تصدر صريراً حاداً، ويميل الكرسي كل بضعة أمتار نحو اليمين، كان أحمد يدفعه بكل قوته، وعمر يمسك بالذراع المثني محاولاً تثبيت نفسه.
يصف عمر تلك اللحظات"الطرق في أم درمان ليست مهيأة أصلاً لذوي الإعاقة في وقت السلم، فكيف بها وهي مليئة بالحفر نتيجة القصف واالرصاص، اذ كان الكرسي يغوص في التراب، وتصطدم عجلاته بظروف الرصاص الفارغة. كنت أشعر بكل هزة في عمودي الفقري وكأن الأرض ترفض مروري!
وبعد عدة ساعات من الزحف، تحت درجة حرارة تفوق ال40 درجة، كانت يدا عمر قد تورمتا من محاولة مساعدة شقيقه في دفع العجلات وتوجيهها وسط الحطام.

مواجهة الموت وجهاً لوجه

عند تقاطع شارع "الأربعين" حدث ما كانوا يخشونه، فجأة ظهرت مجموعة مسلحة من الدعم السريع من خلف أحد الأبنية المهدمة، أمروهم بصرخات بالتوقف وفوهات بنادق موجهة نحو صدورهم، سأل أحد المسلحين أسرة عمر بحدة "ماشين وين؟"
لم يستطع أحمد او امه او والده الكلام من فرط التعب والخوف، نظر المسلح إلى عمر الجالس على كرسيه ثم إلى قدميه المشلولتان سخر قائلاً "هل تظن أن هذا الكرسي سيصل بك إلى بر الامان ؟ اتركه هنا وامشي"
ضحكة المسلح الباردة كانت أقسى من صوت الرصاص كما وصفها عمر وقال "في تلك اللحظة أيقنت أن حياتي ستنتهي هنا، لم أرغب في أن يقتل أخي أحمد بسببي، سيما أن قوات الدعم السريع تستهدف الشباب في تلك الفترة. نظرت للمسلح وقلت له بهدوء غريب: "هذا الكرسي هو ساقاي اللتان خلقهما الله لي في المصنع إذا أردت قتلي فاقتلني وأنا جالس فلن أستطيع الوقوف لك" ولسبب ما ربما هي دعوات الأم التي كانت تهمس بها خلفهم، أو بقية من إنسانية تائهة أشار المسلح لهم بالمرور سريعا قبل أن يغير رأيه، ووصلنا إلى منزل عمي فى العباسية غرب، وبتنا ليلتنا معه، وفي الصباح الباكر انطلقنا الي حي الثورة شمالي أم درمان، في احد المدارس التي تضم عددًا من الأسر القادمين من الخرطوم وبعض أحياء أمدرمان.

  • معجزة العبور إلى صابرين

في الصباح الباكر، واصل عمر وكرسيه المتحرك وأسرته الزحف شمالا، ووصلوا إلى "سوق صابرين" بعد مضي عدة ساعات من الرعب والجهد البدني الخارق، هناك وجدوا حافلة صغيرة سعة اربعة عشر راكبا لكنها تكدست بأكثر من العدد المحدد لسعة الكراسي من النازحين، و المشكلة الجديدة التي واجهت عمر ليس الجلوس في مقعد بل كانت أين يوضع الكرسي؟
الحافلة ضيقة، والناس يتزاحمون للنجاة، رفض السائق في البداية أخذ الكرسي لأنه يشغل حيز شخصين.
يقول عمر والدموع تغلبه "كنت سأبقى هناك لولا أن الركاب أنفسهم تضامنوا وقرروا وضع الكرسي فوق سقف الحافلة وربطه بالحبال، بينما حملني ثلاثة رجال ووضعوني في المقعد الأخير" وانطلقت الحافلة تحمل الكرسي فوق السطح يتأرجح مع كل مطب مربوط بحبال لا تذكر لكنه صمد.
وصلوا إلى مدرسة في منطقة الجزيرة اسلانج شمالي أم درمان، حيث تحولت المدرسة الابتدائية إلى مركز إيواء. وصلوا و كان الكرسي شبه منهك العجلة المكسورة بالكاد تدور، والإطار انحنى قليلا من الأمام والمقعد المبطن تمزق من الاحتكاك المستمر لكنه أوصل صاحبه.


في مركز الإيواء جروح لا تندمل
داخل المدرسة وجد عمر والكرسي عالمًا جديدًا من الألم، الممرات مليئة بالجرحى وبينهم عدد متزايد من المعاقين حركيًا، رأى الكرسي كرسيًا آخر بجانبه لفتى في السابعة عشرة من عمره، فقد رجله اليمنى بحادث مروري، وآخر لامرأة أربعينية بترت ساقها بسبب مرض السكري.

  • تقديرات رسمية

تشير تقديرات عدد من المنظمات غير الحكومية إلى أن أكثر من 15 ألف سوداني أصبحوا معاقين جدداً خلال الأشهر الأولى من الحرب وحدها، بسبب القصف العشوائي والرصاص وانقطاع الخدمات الطبية، وبتوقف عدد من المستشفيات التي كانت تقدم الخدمات الطبية.

البحث عن من يصلح الكراسي

سأل عمر أحد المتطوعين هل هناك من يصلح الكراسي؟ فأجابه وهو يهز رأسه بالنفي بحسرة، لا وجود لمن يصلح كرسي هنا فكانت صدمة قاسية لعمر وهو ينظر إلى كرسيه الجريح وكأنه ينظر إلى صديق يحتضر ثم قال بصوت مبحوح "هذا الكرسي أنقذني والآن لا أحد يستطيع إنقاذه" وأثناء تحسره، ارسل له القدر فني صيانة دراجات اسمه حمزة هو ايضا نازح من أم درمان نظر حمزة إلى الكرسي بعين خبيرة ثم قال "يمكنني عمل شيء مؤقت"
استخدم قطعة حديد من سرير مكسور، وقضى ساعة في الإصلاح لم تعد العجلة مستقيمة تماما لكنها صارت تدور بشكل أفضل، الذراع المثني لا يزال معوجًا، لكن حمزة ثبته بأسلاك معدنية جلس عمر على الكرسي بعد الإصلاح تحرك به داخل الفناء انحنى عليه وقبله بكى حمزة ومن حوله بدا الكرسي وكأنه يبتسم بإطاراته الصدئة علي حد تعبير عمر.

مراكز تأهيل دمرت

المركز القومي للأطراف الصناعية في الخرطوم دمر و نهبوا كل شيء الأطراف الصناعية، الكراسي الجديدة، أجهزة التأهيل حتي الأطباء والفنيون فروا لم يعد هناك مكان يصلح فيه أي كرسي.


رحلة جديدة نحو المجهول

بعد أسابيع من الاستقرار في منطقة الجزيرة اسلانج شمالي الكلية الحربية اضطر عمر مجدداً إلى النزوح، نتيجة للتدوين العشوائي، هذه المرة في شاحنة مكتظة متجهة إلى ولاية نهر النيل. ربط الكرسي بحبل خلف الشاحنة يتأرجح على الطريق الوعر، إطاراته التي تمت صيانتها مؤخرا تصدر صريرا جديدا، لكن الكرسي لم يسقط.
امتدت الرحلة لخمس ساعات، بمواد غذائية بسيطة وماء شارف على الانتهاء. أثناء الرحلة، وفي نهاية كل محطة، يتم إنزال كرسي عمر ليستخدمه في الحركة، لقضاء حاجته، والجلوس عليه أحياناً، تعبوا لكنهم وصلوا بعد عناء شديد، إلى مدينة شندي بولاية نهر النيل.

  • وقفة تامل تحت شجرة النيم
    اليوم يعيش عمر في مركز إيواء بمدينة شندي علي كرسيه المتحرك الذي رافقه في رحلة الموت أصبح متهالكاً، تآكلت إطاراته من المشي على أسفلت أم درمان المحروق، لكنه لا يزال يحتفظ به كشاهد على معجزة بقائه في خيمة مؤقتة، يقف الكرسي في زاوية الخيمة، هيكله المعدني يصدأ والعجلة المكسورة مربوطة بأسلاك والذراع المثني ملفوف بشريط لاصق، لكنه يعمل كل صباح يتجول عمر داخل المركز بكرسيه المتحرك حيث ينتهي به المطاف بالجلوس تحت شجرة النيم.
    يقول عمر الآن"هذا الكرسي هو أنا إذا مات مت، وإذا صمد صمدت، وقد علمتني الحرب أن الكراسي المتحركة ليست مجرد أدوات، بل شركاء في الحياة وعلمتني أن الخرطوم كانت قاسية علينا قبل الحرب والآن بعد الحرب صارت مقبرة لكننا لن نستسلم… أنا وكرسيي"
  • صرخة للمجتمع الدولي
    قصة عمر ليست مجرد حكاية هروب ناجحة بل هي صرخة لآلاف الأشخاص ذوي الإعاقة الذين كانوا محاصرين في الخرطوم والجزيرة ودارفور هؤلاء الذين لا يستطيعون سماع صفارات الإنذار لأنهم صم أو لا يهربون من القذائف لأنهم لا يبصرون أو يقتلون في بيوتهم لأن كراسيهم المتحركة لم تسعفهم في تجاوز عتبة الموت
    واشارت تقارير أممية، إلى أن هناك أكثر من 4 ملايين شخص من ذوي الإعاقة في السودان يواجهون مخاطر مضاعفة خلال النزاع الحالي، وتفتقر معظم ممرات الإجلاء والمنشآت الإغاثية للتجهيزات اللازمة لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية.
    في السودان اليوم، آلاف الكراسي التالفة تنتظر من يصلحها وآلاف المعاقين الجدد ينتظرون أطرافاً صناعية لن تأتي من مركز قومي دمرته الحرب وشردت جميع العاملين فيه ودولة لا تعطي المعاق حقه المتفق عليه باتفاقات حقوقية دولية.
    يختتم عمر قصته قائلاً "الحرب لا تقتلنا بالرصاص فقط، بل تقتلنا بالعجز الذي تفرضه علينا لكنني تعلمت أن الإرادة لا تحتاج إلى أقدام لتمشي بل تحتاج إلى قلب يؤمن بأن خلف هذا الدخان… توجد حياة"
    في حرب لا ترحم أحداً هناك أبطال لا يحملون سلاحاً أبطال بأجساد منهكة، وعجلات صدئة، وإرادة تكسر الحديد والحجر.
    فعمر الذي فقد ساقيه قبل عقد من الزمن، لكنه لم يفقد روحه وكرسيه المتحرك الوفي الذي كان يوماً وسيلة للتنقل فصار درعاً ورفيق درب وطوق نجاة في جحيم الخرطوم

حقوق قانونية

وتؤكد الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على ضرورة ضمان حقوقهم في مختلف الظروف، بما في ذلك أوقات الأزمات والنزاعات. وتنص المادة (11) من الاتفاقية على التزام الدول باتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم وضمان وصولهم إلى الخدمات خلال حالات الطوارئ الإنسانية. ويستدعي هذا الواقع تدخّلًا عاجلًا ومنسقًا من قبل المنظمات الأممية والمجتمع المدني، لتوفير الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي الملائم، مع مراعاة احتياجات هذه الفئة الأكثر هشاشة.
​ ​وكشف البروفيسور محمد محيي الدين، رئيس المنظمة السودانية للتنمية والإعاقة عن أزمة إنسانية "مضاعفة" يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في السودان، مؤكداً أن الحرب لم تفاقم معاناة هذه الفئة فحسب، بل حولتهم إلى "ضحايا منسيين" داخل نظام إنساني يفتقر إلى آليات الإدماج الشامل. أرقام صادمة وتصاعد مستمر
​وأوضح بروفيسور محيي الدين أن نسبة ذوي الإعاقة كانت قبل اندلاع الحرب تُقدر بنحو 15% من إجمالي السكان (أي ما يعادل 7 إلى 8 ملايين شخص) أكد ذلك في ورقة بحثية بعنوان “تأثير النزاع في السودان على الأشخاص ذوي الإعاقة” و ذلك في اليوم العالمي للمعاقين مبينا أن العمليات العسكرية والقصف العشوائي أدت إلى ارتفاع حاد في الإصابات الجسدية والنفسية مما أضاف آلاف الحالات الجديدة إلى هذه القائمة.
​وتوثق البيانات الميدانية زيادة مرعبة بنسبة 300% في الإصابات المؤدية إلى إعاقات دائمة منذ بداية الحرب حيث شملت الإحصائيات

  • ​أكثر من 15,000 حالة بتر للأطراف
  • ​نحو 40,000 إصابة في العمود الفقري
  • ​8,000 حالة فقدان بصر جزئي أو كلي
    ​*النزوح القسري فخ للموت
    ​وأشار رئيس المنظمة إلى أن موجات النزوح القسري التي طالت 12 مليون شخص بحلول يناير 2026 (وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية IOM) مما جعلت ذوي الإعاقة الفئة الأكثر تضررًا، ففي ظل غياب خطط طوارئ تراعي احتياجاتهم الخاصة وعدم توفر آليات إجلاء آمنة تعرّض الكثيرون للفقدان أثناء الفرار أو اضطر ذووهم لتركهم خلفهم لمواجهة مصيرهم بسبب صعوبة الحركة وانهيار الخدمات الصحية

انهيار النظام الصحي والإدماج
​واختتم محيي الدين تصريحاته بالتأكيد على أن انهيار الخدمات الطبية الأساسية والنزوح المستمر جعل هذه الفئة عرضة لإصابات مركبة مشدداً على أن النظام الإنساني الحالي لا يزال قاصرا عن استيعاب حجم المأساة التي تعيشها هذه الشريحة الواسعة من المجتمع السوداني.

شهادات ميدانية

و في شهادةٍ ميدانية تكشف جانبًا من الكارثة الإنسانية المتفاقمة، أفاد طبيب فضّل عدم الكشف عن هويته، يعمل بمستشفى النو في أم درمان أنه خلال فترة اندلاع الحرب كانت المستشفى تستقبل يوميا ما بين ثلاث إلى ست حالات بتر نتيجة القصف العشوائي الذي لا يميز بين المدنيين من أطفال ونساء ورجال وتعكس هذه الأرقام حجم المأساة، إذ تتزايد أعداد المصابين بإعاقات دائمة بوتيرة مقلقة.
وأشار الطبيب إلى أن المعاناة لا تتوقف عند حدود الإصابات الجسدية بل تمتد إلى غياب خدمات التأهيل والرعاية الصحية اللازمة، ما يعرّض المصابين لمضاعفات خطيرة، ويدفع بهم إلى واقع قاسي وغير متوقّع، يفتقر إلى الحد الأدنى من الدعم الطبي والنفسي.
اذ سجل مستشفى النوبمنطقة الثورة في أمدرمان بمحلية كرري ، نحو 300 عملية بتر للأطراف خلال شهر فبراير 2024 وحده، وفق ما صرّح به جيل لولر رئيس العمليات الميدانية والطوارئ بمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في السودان في مؤشر إضافي على اتساع رقعة الإصابات البالغة.

إحصائيات مغيبة

وفي ظل غياب إحصاءات حديثة ودقيقة حول أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة في السودان بما في ذلك الحالات الجديدة التي خلفتها الحرب، يظل آخر مرجع رسمي هو التعداد السكاني الخامس لعام 2008، والذي قدّر عددهم بنحو 1,985,854 شخصًا أي ما يعادل 4.8% من إجمالي السكان البالغ عددهم آنذاك 39.2 مليون نسمة.