قراءة متأنية في إحصاءات التجارة الخارجية:
ماذا تكشف بيانات بنك السودان المركزي (يناير–سبتمبر 2025)؟
بورتسودان - المحرر الاقتصادي
تُظهر بيانات التجارة الخارجية المنشورة في الموقع الإلكتروني لبنك السودان المركزي، خلال الفترة يناير–سبتمبر 2025 استمرار الضغوط الكبيرة على الميزان التجاري، مع تدهور ملحوظ مقارنةً بعام 2024.
فقد بلغ إجمالي الصادرات السلعية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 نحو 1.79 مليار دولار، في حين تجاوزت الواردات حاجز 4.28 مليار دولار، مما أسفر عن عجز تجاري قدره 2.49 مليار دولار.
وبالمقارنة، سجّل عام 2024 صادرات بقيمة 3.13 مليار دولار، وواردات بلغت 4.91 مليار دولار، بعجز تجاري قدره 1.78 مليار دولار. ويعني ذلك أن العجز المسجّل خلال تسعة أشهر فقط من عام 2025 تجاوز العجز السنوي الكامل لعام 2024 بنحو 40%، وهو تطور يعكس اختلالاً متفاقماً في الميزان الخارجي للبلاد.
هذا الانخفاض الكبير في الصادرات، وخاصةً صادرات السلع غير الذهب، يعود ربما للصراع الكبير بين القوات المتحاربة في مناطق الإنتاج في دارفور وكردفان، وتشير الأدلة أن هذه الصادرات يتم إرسالها عبر طرق غير رسمية وبالتالي لا تستفيد البلاد من حصائلها من النقد الأجنبي، ويبدو انعكاساتها واضحة على أداء بعض المؤشرات الاقتصادية، ومن أهمها سعر الصرف.
عطفاً على ذلك، في هذا التقرير نستعرض أحدث التطورات من خلال تحليل معمق لاتجاهات الصادر والوارد، ويمكننا كذلك الاستدلال بمثال للعلاقات التجارية الثنائية بين السودان ومصر .
أولاً: أحدث التطورات في قطاع الصادرات
وفق البيانات الرسمية الصادرة ، فقد شكّلت الصادرات خلال يناير–سبتمبر 2025 نحو 57% فقط من إجمالي صادرات عام 2024، وهو مستوى متدنٍ نسبياً إذا ما قورن بحجم الاحتياجات الاستيرادية. ويعكس هذا الأداء ضعف القدرة التصديرية، لا سيما خارج قطاع الذهب، واستمرار القيود الهيكلية التي تحدّ من تعافي الصادرات غير التقليدية والتي فاقمت الحرب الحالية أدائها.
ثانياً: أحدث التطورات في قطاع الواردات
بلغت الواردات خلال نفس الفترة نحو 87% من إجمالي واردات عام 2024، ما يدل على استمرار الطلب المرتفع على الاستيراد رغم تراجع الصادرات. ويشير هذا النمط إلى غياب التكيّف عبر جانب الواردات، واستمرار الاعتماد الكبير على الخارج لتلبية الاحتياجات الأساسية والإنتاجية.
ثالثاً: أداء الميزان التجاري
أدى التباين الواضح بين مساري الصادرات والواردات إلى اتساع غير مسبوق في العجز التجاري خلال 2025. وقد تركز الجزء الأكبر من هذا العجز في الربع الثالث من العام، حيث ارتفع العجز بشكل متسارع مع انخفاض الصادرات وارتفاع الواردات، لا سيما في شهري أغسطس وسبتمبر، ما يعكس تصاعد الضغوط على الموارد الخارجية.
رابعاً: تحليل هيكل الصادرات السلعية
يكشف جدول الصادرات السلعية وفق الرابط المرفق للتقرير عن تركيز شديد في هيكل الصادرات خلال يناير–سبتمبر 2025 ويمكن إجمال ذلك في الآتي:
الذهب:
القيمة: 1.05 مليار دولار
ويعادل نحو 59% من إجمالي الصادرات، وقد تم تصدير فقط حوالي 10.9 طن، علماً بإن الإنتاج الرسمي المعلن وفق وزارة المالية، ووزارة المعادن فقد بلغ 70 طن خلال عام 2025
مما يعكس حجم مهول من الإنتاج يخرج من البلاد عبر القنوات غير الرسمية.
إجمالي الصادرات السلعية بخلاف الذهب :
القيمة: نحو 736 مليون دولار فقط (حوالي 41% من الإجمالي).
ويأتي في الأهمية بعد صادر الذهب كل من:
الحيوانات الحية (16%)
السمسم (12%)
الصمغ العربي، القطن، وبذور البطيخ بنسب أقل
ويُلاحظ أن الصادرات الصناعية والمصنّعة تكاد تكون هامشية، وهو ما يحدّ من قدرة الاقتصاد على توليد عائدات مستقرة وقابلة للنمو.
وفي المجمل، وبالرغم من أن صادر الذهب لا يزال يشكّل الدعامة الرئيسية للصادرات، إلا أن المقارنة الكلية تشير إلى أن أداء الصادرات في 2025 أصبح أكثر اعتماداً عليه مقارنةً بعام 2024، في ظل ضعف واضح في الصادرات الأخرى.
وهذا النمط يزيد من حساسية الميزان التجاري للتقلبات المرتبطة بالإنتاج، والقنوات الرسمية للتصدير.
خامساً: تطور الصادرات السودانية إلى مصر خلال الفترة يناير - سبتمبر 2025
قبل الدخول في تحليل الفترة المذكورة أعلاه، نلاحظ أنه في عام 2022، شهدت الصادرات السودانية إلى مصر ارتفاعاً لتبلغ نحو 680.4 مليون دولار، مدفوعة بالظهور الرسمي لصادرات الذهب (107.6 مليون دولار)، واستمرار الأداء القوي لصادرات السمسم والثروة الحيوانية، إلى جانب توسّع قاعدة الصادرات الزراعية لتشمل منتجات مثل بذور البطيخ والذرة الرفيعة. وقد شكّل بروز الذهب في تلك الفترة تحولاً هيكلياً واضحاً في نمط الصادرات، ولكن حدث انخفاض كبير خلال فترة الحرب.
وبحلول ديسمبر 2024، تراجعت الصادرات المسجلة إلى نحو 277.0 مليون دولار، نتيجة الخسائر الإنتاجية المرتبطة بالحرب، وتعطل سلاسل الإمداد، وانهيار آليات التمويل التجاري الرسمي. ويعكس هذا التباين أن صادرات الذهب أظهرت قدراً أكبر من الصمود مقارنة بالصادرات الزراعية، وهو ما يتسق مع اعتمادها على ممرات خاضعة للسيطرة وشبكات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، بدلًا من نشاط اقتصادي واسع القاعدة.
وخلال الفترة يناير ـ سبتمر 2025 تعافت الصادرات بشكل طفيف لتصل إلى نحو 269.1 مليون دولار، ولكن ضمن هيكل شديد التركز، حيث بلغ الذهب وحده نحو 130.4 مليون دولار (ما يعادل حوالي 48% من الإجمالي)، تلاه السمسم والثروة الحيوانية عند مستويات أدنى بكثير.
ويؤكد هذا النمط أن التعافي لم يكن مدفوعاً بعودة النشاط الإنتاجي، بل بـتدفقات ريعية واستخراجية، وليس صادرات زراعية وحيوانية كما في الفترات السابقة، ومن هنا تنبع الآثار الحسيمة للحرب.
سادساً: أحدث التطورات حول واردات السودان من مصر
شهدت واردات السودان من مصر تراجعاً خلال الفترة، غير أن تركيبتها السلعية تغيّرت بصورة جوهرية.
ففي فترة ما قبل الحرب، كانت الواردات تتركز على السلع الصناعية والكيماويات، أما ابتداءً من عام 2024، وفي ظل الحرب وانهيار القدرات الإنتاجية المحلية، فقد أصبحت الواردات متركزة بشكل متزايد في السلع الاستهلاكية الأساسية، وعلى رأسها القمح والدقيق وبقية المواد الغذائية.
هذا وقد ارتفعت واردات الغذاء بصورة حادة خلال فترة الحرب الحالية. فقد زادت واردات القمح والدقيق من مصر بأكثر من ثمانية أضعاف بين عامي 2021 و2024، واستمرت عند مستويات مرتفعة خلال أول تسعة أشهر من 2025.
ويبرز هذا التطور الاعتماد الحاد للسودان على الواردات الغذائية، وقدرة مصر على التوسع السريع في تصدير السلع الأساسية إلى السودان.
وفي سياق متصل، تراجعت واردات السلع الرأسمالية والوسيطة وتراجعت واردات الآلات، ومعدات النقل، والمواد الخام بشكل ملموس مقارنة بعام بالأعوام السابقة، بما يتسق مع انخفاض الاستثمار، وتعطل سلاسل الإنتاج، وارتفاع مستويات عدم اليقين. ويشير ذلك إلى تحوّل في نمط الاستيراد من السلع الداعمة للنمو إلى سلع الاستهلاك قصير الأجل المرتبطة بتأمين المعيشة.
سابعاً: تطور الميزان التجاري الثنائي بين السودان ومصر –خلال الفترة يناير وسبتمبر 2025
تُظهر العلاقة التجارية الثنائية بين السودان ومصر خلال الفترة، وحتى الفترات السابقة نمطاً غير متماثل هيكلياً، حيث تحقق مصر فوائض تجارية مستمرة، اتسعت بشكل أكبر خلال فترة الحرب الحالية. وقد أسهمت الحرب في تعميق مكاسب مصر من خلال تكريس اعتماد السودان على الواردات الاستهلاكية، في مقابل انخفاض كبير في قاعدة الصادرات السودانية، مما عزز فجوات القيمة المضافة والتنويع القائمة مسبقاً.
وفي هذا الصدد، ظل الميزان التجاري الثنائي سلبياً لصالح السودان في جميع الفترات المرصودة، بما يعكس فائضاً تجارياً إيجابياً ومستداماً لصالح لمصر.
الرسالة الختامية على صعيد السياسات
في تقديرنا أن التحديات التي تواجه القطاع الخارجي ذات طبيعة هيكلية، وليست ظرفية أو مؤقتة، وبالطبع فإن الحرب، فاقمت الوضع بشكل غير مسبوق في تاريخ السودان.
فالعجز التجاري المزمن والمتزايد في السودان يعكس مزيجاً من ضعف التنويع التصديري، والاعتماد المفرط على سلع معينة دون التركيز على القيمة المضافة في سلع الصادر، واستمرار مستويات الاستيراد المرتفعة. ومن دون إصلاحات تستهدف تعزيز الصادرات السلعية الأخرى، ورفع القيمة المضافة، وتحسين إدارة التجارة الخارجية، سيظل الميزان التجاري مصدر ضغط رئيسي على الاستقرار الاقتصادي والمالي.
وما ذكر في هذا الصدد، لن يتحقق بدون وقف الحرب، والوصول لي حل سياسي مُرضٍ، وبالتالي تدخل البلاد في مرحلة الإصلاح الجاد وتبني السياسات الاقتصادية والمالية المدعومة ببرنامج إصلاح واضح المعالم، والمفضية إلى تحقيق تعافي مستدام في الميزانين الداخلي والخارجي لاقتصاد السودان.
أدناه رابط بنك السودان المركزي: