العقوبات وحدها لا تكفي!

أ.سامي عبدالوهاب مكي

هناك خطأ يتكرر كلما فُرضت عقوبات اقتصادية على دولة ما وهو الاعتقاد بأن صدور القرار يعني بالضرورة تحقيق أهدافه لكن التجارب تقول شيئا مختلفاً تماماً فالعقوبات ليست سوى بداية لمعركة أخرى هي معركة منع الالتفاف عليها.

السودان ليس استثناء من هذه القاعدة، فعندما فُرضت العقوبات على حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير انصرف الاهتمام إلى أثرها السياسي بينما كانت على الأرض تتشكل منظومة اقتصادية وتجارية جديدة نجحت في إعادة توجيه حركة النفط ومدخلات الإنتاج والتمويل عبر مسارات بديلة.

لم يتوقف النفط ولم تتوقف صادراته ولم تتوقف الحقول عن الإنتاج فقط الذي تغير هو الخرائط التجارية. انسحبت شركات غربية فوجدت الصين مساحة أوسع للتوسع في الاستثمار والتشغيل والتسويق كما أصبحت المصدر الرئيسي للمعدات وقطع الغيار والآليات والكيماويات اللازمة لاستمرار الإنتاج، وفي الوقت نفسه نشأت شبكات من الوسطاء وشركات الواجهة لإتمام عمليات الاستيراد والتصدير والتمويل بعيدا عن القنوات التقليدية التي استهدفتها العقوبات.

ولم يكن ذلك وحده.
فقد أصبحت ماليزيا إحدى المحطات المهمة التي استفادت منها الحكومة في إدارة جانب من عائدات النفط والاستثمارات المرتبطة بها بينما تمددت الاستثمارات السودانية هناك بصورة لافتة وبرزت خلال تلك السنوات طبقة من الأثرياء راكمت ثروات ضخمة بفضل اقتصاد العقوبات أكثر مما راكمتها من اقتصاد السوق الطبيعي.

لقد ولد الحظر اقتصاداً موازياً وأوجد مستفيدين جدد وأعاد توزيع الثروة داخل شبكات كانت تمتلك القدرة على الحركة خارج القيود المفروضة.

واليوم ونحن أمام عقوبات أوروبية وأمريكية تستهدف شبكات مرتبطة بالحرب والذهب، يجب ألا نكرر الخطأ نفسه، فالشبكات الإسلامية التي أدارت اقتصاد العقوبات في الماضي لم تختف، بل أصبحت أكثر خبرة وتنظيم وأكثر امتلاك للعلاقات الإقليمية والدولية وأكثر قدرة على إنشاء شركات واجهة واستخدام وسطاء والتحالف مع قوى انتهازية تبحث عن الربح بعيدا عن أي اعتبارات سياسية أو أخلاقية.

ولهذا فإن الاعتقاد بأن فرض الحظر وحده سيؤدي تلقائياً إلى تجفيف مصادر التمويل هو تبسيط مخل إذا لم تصاحب العقوبات آليات تنفيذ صارمة تشمل تتبع الذهب من المنجم إلى المصافي وأسواق التصدير، وكشف المالك الحقيقي للشركات ومراقبة شركات الشحن والتأمين والتحويلات المالية.. فإن النتيجة قد تكون عكسية.

و غالبا ستتحول العقوبات مرة أخرى إلى فرصة اقتصادية استثنائية لشبكات تمتلك خبرة طويلة في الالتفاف عليها فتزداد ثرواتها، بينما يفقد السودان مورده الاستراتيجي الجديد كما فقد من قبل جزءاً كبيراً من القيمة المضافة لثروته النفطية.

لقد أثبتت التجربة أن العقوبات التي لا تُراقب بدقة، لا تغلق الاقتصاد الموازي وإنما قد توسعه وهي لا تمنع التهريب بل قد تجعل أرباحه أعلى، ولا تنهي دور الوسطاء بل قد تجعلهم الحلقة الأكثر ربحاً في دورتي التسويق والبيع للمنتجات المستهدفة بالعقوبات، وبالتالي لن تنجح العقوبات في وقف تمويل الحرب وصناعة إمبراطوريات فساد جديدة عابرة للقارات ضمن تجارة الحرب والفساد .

إن نجاح العقوبات لا يقاس بعدد الأسماء المدرجة في قوائم الحظر وإنما بقدرة الجهات التي فرضتها على ملاحقة الشبكات التي تنشأ خصيصا للالتفاف عليها.

كان النفط هو ميدان الاختبار الأول، واليوم أصبح الذهب هو ميدان الاختبار الثاني والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الأوروبيون قبل غيرهم هو هل تعلموا من تجربة الأمس أم أنهم يتهيأون من حيث لا يقصدون لصناعة أثرياء جدد من اقتصاد العقوبات.