تقرير – سودان سكوب

يعد البحر الأحمر واحدًا من أهم الممرات المائية في العالم، حيث ينقل عبره يوميًا أكثر من 7 مليون برميل نفط، وأكثر من 4 مليار مكعب من الغاز الطبيعي. ويمثل البحر الأحمر كذلك عمقًا أمنيًا استراتيجيًا للمملكة العربية السعودية بصوورة خاصة، بالإضافة إلى أهميته بالنسبة لأمن الطاقة الخليجي والعالمي. ويكتسب البحر الأحمر أهميةً متزايدة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على المنطقة، لا سيما الأزمة المتفاقمة لسلاسل الإمداد الناتجة عن االاضطراب الأمني في مضيق هرمز بسبب التهديد الإيراني لأمن الملاحة البحرية في المضيق.
ويقول بعض المراقبين، أن مستوى القلق الدولي يتصاعد خوفًا من نقل الصراع الى المنطقة، حيث يتمدد النفوذ الإيراني عبر العلاقات الاستراتيجية مع الحركة الاسلامية في السودان والتي تملك بدورها نفوذًا كبيرًا على قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان وعلى قراراته السياسية.

جماعة أنصار الله الحوثي والتهديد المستمر لأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر

تمكن الحوثيون في العام الماضي من استهداف باخرتين بالقرب من ميناء "ينبع" السعودي، وهو أبعد مدى وصلت اليه المجموعة المصنفة كجماعة ارهابية من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وقد أثار عدد من المحللين في وقت الحادثة اسئلة حول وصول الحوثيين لهذا المدى. أبرز المراقبين الذين تناولوا تلك الحادثة بالتحليل "جيمس ويلسون" رئيس تحرير التقرير السياسي للإتحاد الأوروبي في مقال له نشر على دورية "مودرن دبلوماسي" في اكتوبر من العام الماضي، حيث تمحورت تساؤلاته حول ما اذا كان الحوثيون قد استخدموا قوارب اطلاق في المياه الاقليمية السودانية، أو انهم استخدموا منصات اطلاق من داخل بورتسودان نفسها، وقد أثار "ويلسون" هذه الشكوك، بناء على تقييمه لمستوى العلاقة القوية بين إيران والحركة الاسلامية السودانية، والتي تمظهرت في تسليح إيران للجيش السوداني خلال العامين الماضيين في حربه ضد قوات الدعم السريع.

العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين الحركة الاسلامية السودانية والحرس الثوري الايراني

وقد طفت التساؤلات مرة أخرى الى السطح بصورة أكثر الحاحاً هذه المرة، بعد القبض على المواطنة الإيرانية "شميم مافي" قبل يومين، في الولايات المتحدة، بسبب توسطها في جميع صفقات التسليح التي تمت بين إيران والجيش السوداني، وقد كشفت التحقيقات أن عقد البيع يشمل منصات اطلاق وتحكم أرضية، وقنابل جوية موجهة، الأمر الذي يحتم وجود خبراء إيرانيين في الأراضي السودانية، مع هذه المنصات، على الأقل بغرض التدريب على تشغيلها، وذلك في حد ذاته، - أي وجود الخبراء الايرانيين – في بورتسودان، يشكل خطرًا يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي والخليجي بصورة عامة، لا سيما في حالة الاستقطاب التي تخلَّقت بموجب الحرب الامريكية – الإسرائيلية المشتركة على إيران.

علاقات التسليح بين الحرس الثوري الايراني والجيش السوداني في عامي 2024م و 2025م بين الشك واليقين

المعلومات الواردة في الإفادة الموثقة، التي تم الإدلاء بها تحت القسم من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة، والتي حصل فريق "سودان سكوب" على نسخة منها، في القضية الجنائية ضد "شميم مافي" الوسيط في عمليات التسليح التي زود بها الحرس الثوري الإيراني الجيش السوداني، تؤكد أن الجيش السوداني الذي يسيطر عليه الإسلاميون، حلفاء إيران التقليديين والتاريخيين في المنطقة، قد حصل على أسلحة يصل مداها العمق السعودي الغربي، ويهدد ميناء " ينبع"، خط الحياة البديل للإقتصاد السعودي في ظل الإغلاق الذي تعاني منه المنطقة في مضيق هرمز، كما يؤكد – على اللأقل بدرجة ما – جدية وخطورة التساؤلات التي أُثيرت حول إمكانية وصول الحوثيين لمسافة قريبة من ميناء "ينبع" في سبتمبر العام الماضي، من المياه الإقليمية السودان أو ربما من داخل مدينة بورتسودان، وذلك بناء على المعطيات والشواهد العديدة التي تؤكد عمق الصلة بين الطرفين، والتطابق في التصورات الايدلوجية والبناء السياسي للتنظيم الاسلامي في السودان ونظام ولاية الفقيه في الجمهورية الاسلامية الإيرانية.

اختطاف الحركة الاسلامية للقرار السياسي في الدولة السودانية

منذ انقلاب 21 اكتوبر 2021م على الحكومة المدنية الانتقالية، الذي تم بتدبير وتحالف الاسلاميين مع المؤسسة العسكرية، بدأ نفوذ الإسلاميين يعود بوتيرة متصاعدة على أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، ووصل هذا النفوذ إلى ذروته بعد اشتعال حرب 15 ابريل 2023م بين الجيش والدعم السريع، خصوصًا بعد مدّ الجيش بعدد كبير من المقاتلين من المنتمين لمليشياتهم المتعددة، وقد ساعد ذلك في تعزيز نفوذهم وسلطتهم حتى أصبح القرار السياسي كاملا في أيديهم. يزيد هذا الأمر من مستوى القلق والتهديد الذي يمكن أن تتعرض له المنطقة، وذلك لتأكيد وجود منصات الإطلاق والتحكم داخل الأراضي السودانية كما سلف الذكر في هذا التقرير، خاصة في ظل الموقف المُعلن للحركة الإسلامية عبر بيانات وتصريحات لقياديين في التنظيم بتأييد ايران في الحرب الحالية، وحتى خلال حرب ال 12 يوم في العام الماضي، حيث يصبح من الممكن أن يتم السماح للإيرانيين باستخدام منصات الإطلاق تجاه المملكة العربية السعودية أو تهديد الملاحة البحرية في البحر الأحمر بصورة عامة، وهو أمر خطير ومقلق ومهدد اضافي لسلاسل الامداد في العالم كله.