الخرطوم : سودان اسكوب

مع حلول الساعة السادسة من مساء الجمعة الماضية الموافق 15 مايو 2026م، تختتم المرحلة الثانية من عملية استبدال العملة في ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض في مشهد لم تشهده العاصمة منذ سنوات ففي الوقت الذي كانت فيه الطوابير تمتد لعشرات الأمتار أمام فروع المصارف، واصلت أسعار السلع الاستهلاكية ارتفاعها القياسي، بينما عانى المواطنون من نقص حاد في السيولة النقدية ما جعل عملية الشراء اليومية أشبه بمعركة وجودية.

  • آخر المواعيد وزحام لا يطاق

أعلن بنك السودان المركزي أن يوم الجمعة 15 مايو 2026 الماضي هو آخر موعد لاستبدال فئتي 500 و1000 جنيه من الإصدار القديم في ولايات الخرطوم والجزيرة وبعض محليات النيل الأبيض التي لم تشملها المرحلة الأولى وانتهت عملية الاستبدال عند الساعة السادسة مساء دون مد ايام الاستبدال حيث عملت فروع المصارف التجارية من الثامنة صباحاً حتى وقت متأخر من المساء لاستقبال الإيداعات النقدية بالفئات المستهدفة.
لكن واقع الحال كان مختلفا تماما اذ شهدت ولاية الخرطوم خلال الساعات الأخيرة قبل انتهاء المهلة ازدحاماً وتدافعاً كبيراً أمام البنوك ومراكز الاستبدال وسط شكاوى متزايدة من المواطنين بشأن صعوبة إتمام الإجراءات، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتعطل الخدمات في بعض المناطق.

وتزايدت شكاوى المواطنين أيضاً من ندرة كبيرة في طرح العملة الجديدة من فئتي 500 و1000 جنيه لتسيير مهام عملهم، وبخاصة في المواصلات العامة فقد رفض بعض سائقي المركبات العامة وأصحاب البقالات التعامل بالفئات القديمة وألزموا المواطنين إما بالدفع بالفئات الجديدة وإما عبر تطبيق "بنكك" الإلكتروني فيما فضل بعض أصحاب المحلات إغلاق أبواب متاجرهم وتوقف حركة البيع للمواطنين

وتقول أحد المواطنات في تصريح لـ"سودان اسكوب" إن عدداً من المحال التجارية ومواقع تقديم الخدمات بات يرفض التعامل بالعملة القديمة ما تسبب في أزمة يومية لكثير من الأسر حيث يضطر البعض إلى حمل أموالهم والتنقل بها دون التمكن من استبدالها أو استخدامها في شراء الاحتياجات الأساسية.

  • أهداف اقتصادية في زمن الحرب

جاء قرار استبدال العملة في وقت تعاني فيه البلاد من حرب مدمرة مزقت النسيج الاقتصادي وأوضح الكاتب المختص في الشؤون الاقتصادية محمود لعوتة في تصريحات صحفية، إن قرار تبديل العملة جاء نتيجة ظروف الحرب ونهب الأموال وتزوير العملات وانتشار السيولة خارج القطاع المصرفي، موضحاً أن الخطوة تستهدف ضبط الكتلة النقدية ودعم البنوك وتمكينها من إدارة عملياتها اليومية.
وابان البنك السودان المركزي أن الخطوة تأتي في إطار تعزيز الثقة بالعملة الوطنية ودعم الاستقرار الاقتصادي وتستهدف حماية الجنيه وكبح التضخم فقد أعلن البنك في نوفمبر الماضي عن طرح العملة الجديدة بسبب انتشار عملات فئة 1000 و500 جنيه مجهولة المصدرأدت إلى زيادة السيولة النقدية وتأثيرها السلبي على استقرار الأسعار.

الأسعار تشتعل.. والتجار يستغلون الأزمة

لم تكن آثار استبدال العملة مقتصرة على الزحام أمام البنوك بل امتدت لتشعل الأسواق وترفع أسعار السلع الاستهلاكية بشكل غير مسبوق فقد أدت إجراءات استبدال العملة في البنوك إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 30% وفق إفادات مواطنين.

ويقول علي ناصف وهو من سكان امدرمان ، إن تجار التجزئة والجملة استغلوا فرصة الطوابير أمام البنوك لاستبدال العملة ورفعوا سعر السلع الاستهلاكية بحجة أن عملية استبدال العملة قد تعرضهم للخسائر إذا تسلموا عملات قديمة.

وتشير تقارير اقتصادية إلى تفاقم التضخم بشكل كبير، فبدلاً من كبح الأسعار ساهمت تعقيدات الاستبدال والطباعة الجديدة في زيادة معدلات التضخم التي تجاوزت 200% مع توقعات بأن تظل من بين الأعلى عالميا

وأشار ناصف إلى ارتفاع حاد في أسعار المحروقات فقد تجاوز سعر جالون الجازولين 41 ألف جنيه بينما ارتفع سعر غاز الطهي إلى أكثر من 95الف جنيه، ما ينذر بموجة جديدة من التضخم وارتفاع متسارع في أسعار السلع الأساسية كما تجاوز سعر الدولار في السوق الموازي حاجز 4250 جنيها بعد أن كان في حدود 3650 جنيهاً قبل أسابيع فقط.

نقص السيولة يدفع للمقايضة


لم يعد نقص السيولة مجرد إزعاج عابر بل تحول إلى أزمة إنسانية حقيقية ففي ظل انعدام السيولة وانهيار النظام المصرفي والاقتصاد بسبب الحرب المتواصلة منذ أكثر من عامين بين الجيش وقوات الدعم السريع يلجأ السودانيون إلى نظام المقايضة أو التعاملات الربوية ويشهد النشاط الاقتصادي للبلاد انخفاضا متسارعا في قيمة العملة المحلية وارتفاعافي معدلات التضخم بسبب الحرب المستمرة وبحسب مصرفيين أن الكتلة النقدية خارج القطاع المصرفي تتجاوز 80 بالمئة من الكتلة النقدية وهو ما يفسر حجم التحدي الذي يواجهه البنك المركزي في محاولة إعادة الثقة إلى النظام النقدي.

لا تمديد.. ومستقبل مجهول

وسط حالة الارتباك والزحام جاء الرد الحكومي حاسماً كشف المدير العام لوزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين، عن عدم وجود أي اتجاه لتمديد فترة استبدال العملة بولاية الخرطوم وتصر الحكومة على أن المدة المحددة كانت كافية.

ويحذر الخبير الاقتصادي مهدي داؤود الخليفة في تصريحات صحفية سابقة، من أن الأزمة الاقتصادية في السودان تجاوزت حدود التدهور المعيشي التقليدي وأصبحت تعكس بحسب وصفه ويعيش الآن حالة "تحلل تدريجي لبنية الدولة الاقتصادية والمالية" ويشير إلى أن قرار تغيير العملة يُعد من أخطر القرارات الاقتصادية التي اتُخذت منذ اندلاع الحرب ليس فقط بسبب توقيته وإنما بسبب تنفيذه في ظل انقسام جغرافي وسياسي واسع

ومع انتهاء المهلة تتجه الأنظار إلى ما بعد استبدال العملة في وقت تتزايد فيه المخاوف من تفاقم الأزمة المعيشية في ظل استمرار نقص السيولة وارتفاع الأسعار ويبقى المواطن السوداني العالق بين طوابير البنوك وارتفاع جنوني للأسعار هو الضحية الأكبر في معادلة اقتصادية معقدة لا تلوح في أفقها أي بوادر حل قريبة.