حنان عبدالملك

من التمثيل إلى التنسيق

من يمثل المدنيين في السودان؟


إنه سؤالٌ يزداد تأثيراً في تشكيل طبيعة التفاعل الدولي مع السودان؛ فعمليات السلام تتطلب أطرافاً للحوار، والدبلوماسيون يبحثون عن نظراء يمثلون القوى الفاعلة، والجهات المانحة تحتاج إلى شركاء محددين بوضوح يمكن عبرهم توجيه الدعم السياسي والمالي. ومع ذلك، فإن مسألة التمثيل بحد ذاتها ليست التحدي الأبرز الذي يواجه الحراك المدني في السودان؛ إذ تكمن المسألة الأهم في مدى تمتع المنظومة المدنية السودانية بالتنسيق والقدرة التمثيلية والمرونة الكافية للتأثير في التسوية السياسية المستقبلية للبلاد.


يشير التاريخ السياسي الحديث للسودان إلى أن قوته الديمقراطية لم تستند أبداً إلى منظمة تمثيلية واحدة، فمن ثورة أكتوبر عام 1964 وانتفاضة أبريل عام 1985 إلى ثورة ديسمبر عام 2018، نظم الفاعلون المدنيون أنفسهم مراراً عبر الانقسامات السياسية والمهنية والاجتماعية في إطار سعيها نحو التحول الوطني، ولم ينبع نفوذهم من التوحيد، بل من قدرة مختلف الدوائر على العمل معاً حول أهداف مشتركة.


لذلك تُفهم الحركة المدنية السودانية بشكل أفضل على أنها منظومة مترابطة تتألف من التحالفات السياسية، والجمعيات المهنية، وحركات النساء، وشبكات الشباب، ومنظمات المجتمع المدني، والفاعلين الإنسانيين، والأكاديميين، والنقابات العمالية، والمبادرات المجتمعية، والتشكيلات المدنية المحلية، ولا يوجد هؤلاء الفاعلون بمعزل عن بعضهم البعض، فالأفراد غالباً ما يشاركون في عدة من هذه المساحات في الوقت نفسه، حاملين أشكالاً مختلفة من الشرعية والخبرة والنفوذ حسب القضية قيد النقاش.


ولا ينبغي الخلط بين هذا التنوع والانقسام، فالتعددية تعكس وجود فاعلين ودوائر وخبرات ومنظورات مختلفة. أما التفتت فيحدث عندما يصبح هؤلاء الفاعلون غير قادرين أو غير راغبين في التنسيق حول المصالح الوطنية المشتركة، وهذا التمييز حاسم. فإذا نُظر إلى التعددية نفسها على أنها المشكلة، فإن الاستجابة الطبيعية تكون البحث عن هيكل واحد قادر على التحدث بصوت واحد، أما إذا فُهم التفتت على أنه المشكلة، فإن الأولوية تصبح تعزيز العلاقات والثقة والتنسيق مع الحفاظ على التنوع الذي يمنح السياسة المدنية شرعيتها ومرونتها.
إن محاولات ضغط تنوع المدنيين السودانيين في هيكل تمثيلي واحد قد تُبسّط التفاعل بالنسبة للفاعلين الدوليين، لكنها نادراً ما تعكس واقع الحياة السياسية السودانية. كما أنها لا تقضي على الاختلافات الأساسية في المصالح والدوائر والجغرافيا والخبرة الموجودة داخل الفضاء المدني. ولا ينبغي أن يكون الهدف وحدة مصنوعة، بل تعزيز التنسيق عبر حركة متنوعة أصلاً.


كما مال التفاعل الدولي إلى مساواة القيادة الرسمية بالنفوذ السياسي، غير أن المخططات التنظيمية لا تروي سوى جزء من القصة، ففي كل أنحاء المشهد المدني السوداني يوجد أفراد ذوو نفوذ كبير يشكلون التفكير الوطني من خلال الجمعيات المهنية، ومنظمات النساء، والمؤسسات البحثية، والمبادرات الإنسانية، ومنصات المجتمع المدني، والشبكات القطاعية، وكثير منهم نشطون أيضاً داخل التحالفات السياسية دون أن يشغلوا مناصب قيادية رسمية، ولا يمكن لأي تحالف أن يستوعب واقعياً ضمن قيادته كامل اتساع القيادة المدنية والمهنية والفكرية والإقليمية في السودان. ومن ثم، فإن فهم التأثير المدني يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من القيادة الظاهرة، وإدراك شبكة العلاقات المتشابكة التي تربط بين الفاعلين السياسيين والمدنيين والمهنيين في جميع أنحاء السودان وفي أوساط الجاليات السودانية في الخارج.

ومن التطورات الأكثر تشجيعاً خلال الصراع الحالي بروز جهود تنسيق يقودها سودانيون عبر عدة قطاعات، فقد استثمرت منظمات الشباب في أطر مشتركة حول السلام والانتقال الديمقراطي. وعززت منظمات النساء منصات جماعية قادرة على تعظيم قيادة النساء ومشاركتهن في العمليات الوطنية. وطور قادة المجتمع المدني المستقلون آليات أوسع تجمع الخبرات عبر الحوكمة والعمل الإنساني وبناء السلام والقضايا الدستورية والإعلام والبحث وحقوق الإنسان.


ولا ينبغي فهم هذه المبادرات على أنها مطالبات تنافس على التمثيل أو كبدائل للتحالفات السياسية، بل هي جهود تكميلية لتعزيز مكونات مختلفة من المنظومة المدنية، وغالباً ما يتداخل المشاركون عبر التحالفات السياسية وشبكات النساء ومبادرات الشباب والجمعيات المهنية ومنصات المجتمع المدني، وهذا ليس دليلاً على الازدواجية، بل يعكس الطبيعة المترابطة للتنظيم المدني السوداني وحقيقة أنه لا يمكن لأي منصة واحدة أن تستوعب كامل اتساع المشهد المدني في البلاد. ومن خلال هذا المنظور، فإن بروز مبادرات تنسيق متعددة يقودها سودانيون هو علامة على المرونة المدنية وليس على التنافس المؤسسي.


وقد أظهر الشركاء الدوليون بالفعل أن التفاعل البناء يمكن أن يعزز المنظومة المدنية في السودان، فلم يظهر تحالف سياسي مدني مستقل بعد اندلاع الحرب بمعزل عن ذلك، بل سهّله جزئياً تفاعل سياسي مستمر ودعم دبلوماسي واستثمار دولي في لحظة هيمن فيها الفاعلون المسلحون بشكل متزايد على المشهد السياسي، وكان الحفاظ على صوت سياسي مدني مستقل ضرورياً واستراتيجياً مهماً.


والتحدي الآن هو كيفية البناء على هذا الأساس، وينبغي أن تعزز المرحلة التالية من الدعم المنظومة المدنية الأوسع من خلال الاستثمار في التنسيق الذي يقوده السودانيون عبر التحالفات السياسية ومبادرات النساء وشبكات الشباب ومنصات المجتمع المدني المستقلة والجمعيات المهنية والفاعلين الإنسانيين والمؤسسات البحثية وغيرها من الدوائر الديمقراطية، وهذا لا يتعلق بخلق مراكز تمثيل بديلة أو إضعاف أهمية التحالفات السياسية، وتظل التحالفات السياسية أدوات جوهرية للتفاوض السياسي والتمثيل واتخاذ القرار، لكنها مكون واحد من حركة أوسع يعتمد نفوذها الجماعي على قوة وشرعية وتنسيق المنظومة المدنية الأوسع.


ثمة ميل متزايد في بعض المناقشات السياسية الدولية إلى تصوير التحالفات السياسية والمجتمع المدني كمصادر متنافسة للشرعية المدنية، أو إلى اقتراح ضرورة رفع أحدهما على حساب الآخر، وهذا الخيار خاطئ، فالتّحالفات السياسية والمجتمع المدني يؤديان وظائف مختلفة لكنها تكاملية في أي انتقال ديمقراطي، ويوسّع المجتمع المدني وحركات النساء وشبكات الشباب والجمعيات المهنية وغيرهم من الفاعلين المدنيين المشاركة، ويولّدون الأفكار، ويعززون المساءلة، ويربطون العمليات السياسية بالمجتمع، ويخاطر إضعاف أحدهما في محاولة لتعزيز الآخر بإضعاف الحركة المدنية ككل.


كما أن العمليات السياسية وآليات التشاور ونهج التمويل التي تُقلل من دور التحالفات السياسية بينما ترفع المجتمع المدني كبديل تسيء فهم كيفية بناء نفوذ مدني دائم، فهي تخاطر بخلق مراكز تفاعل موازية وحوافز متنافسة ومطالبات متنافسة بالشرعية، وبدلاً من تعزيز الحركة المدنية السودانية، قد يعمق مثل هذا النهج تفتتها، وينبغي أن تكون الأولوية تعزيز العلاقة بين الفاعلين السياسيين والمدنيين وتعزيز التنسيق والتفكير الاستراتيجي المشترك عبر المنظومة المدنية.
وهذا أمر مهم لأن كل شكل من أشكال التفاعل الدولي يخلق حوافز سياسية، فتؤثر قرارات التمويل في أي المبادرات تنمو على حساب الأخرى، وتشكل عمليات التشاور الأصوات التي تُسمع، ويؤثر التفاعل الدبلوماسي في تصورات الشرعية، بينما تؤثر المشاركة في عمليات الوساطة فيمن يُنظر إليه على أنه صاحب التمثيل، ونادراً ما ينوي الفاعلون الدوليون تفتيت الفضاء المدني، لكن الهياكل التي يُقدَّم من خلالها الدعم يمكن أن تشجع التنافس على الاعتراف والرؤية والوصول الدبلوماسي والموارد المالية.


تتفاقم حدة المخاطر نظراً لغياب تكافؤ الفرص أمام الجهات المدنية المستقلة في السودان، إذ تتمتع القواعد المدنية المتحالفة مع أطراف الصراع بمزايا تتيح لها الوصول إلى مؤسسات الدولة، والسيطرة على الأراضي، وشبكات المحسوبية، والمنصات الإعلامية، والموارد العامة، في حين تفتقر الجهات المدنية المستقلة إلى أي من هذه المزايا الهيكلية. وتتمثل ركائز قوتها الأساسية في الشرعية، وشبكات العلاقات، والخبرة الفنية، وقبل كل شيء، القدرة على التنسيق. ومن ثم، فإن تكلفة التشرذم تكون باهظة للغاية بالنسبة للمدنيين المستقلين مقارنةً بتلك التي تتحملها القواعد المدنية المدعومة بقوى مسلحة أو بسلطة الدولة.


وينبغي بالتالي تصميم الدعم الدولي لتعزيز التنسيق بدلاً من التنافس، ولا يتطلب ذلك معاملة كل مبادرة على قدم المساواة، كما لا يقلل من أهمية دعم التحالفات السياسية القادرة على الانخراط في العمليات السياسية الوطنية، بل يتطلب ضمان أن تخلق طرق التمويل وعمليات التشاور وهياكل الوساطة والتفاعل الدبلوماسي حوافز للتعاون عبر النظام المنظومة المدنية في السودان بدلاً من تشجيع التنافس على التمثيل أو الرؤية أو الوصول.
وينبغي بالتالي أن يتحول السؤال الذي يواجه الفاعلين الدوليين، فبدلاً من السؤال عمن يمثل المدنيين في السودان، يكون السؤال الأكثر فائدة هو كيف يمكن للتفاعل الدولي أن يعزز التنسيق عبر المنظومة المدنية مع الحفاظ على التنوع الذي يمنحه الشرعية.


ولن يتشكل مستقبل السودان من تحالف أو منظمة أو منصة واحدة، بل سيتشكل من فاعلين مدنيين مترابطين قادرين على التنسيق عبر المساحات السياسية والمدنية والمهنية مع الحفاظ على التنوع الذي طالما كان إحدى نقاط القوة الديمقراطية في السودان، وليست مسؤولية الشركاء الدوليين مجرد تحديد محاورين تمثيليين، بل تعزيز العلاقات والمؤسسات وآليات التنسيق التي تمكن المنظومة المدنية من التأثير جماعياً في التسوية السياسية المستقبلية للبلاد.
إذا كان مستقبل السودان الديمقراطي يعتمد على قوة حراكه المدني، فإن الحكم على التفاعل الدولي ينبغي ألا يقتصر في نهاية المطاف على الجهات التي تحظى بدعمه، بل يجب أن يستند أيضاً إلى ما إذا كان هذا التفاعل يترك المشهد المدني في السودان أكثر تنسيقاً وترابطاً، وأفضل استعداداً لصياغة مستقبل البلاد، مقارنةً بالحالة التي كان عليها قبل ذلك التدخل.