تقرير-سودان سكوب
اندلعت حرب 15 أبريل 2023م في ولاية الخرطوم قبل أن تمتد تدريجياً إلى معظم أنحاء السودان، حيث بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم مناطق وسط البلاد لفترات متفاوتة، ودانت لها حاميات إقليم دارفور عدا الفرقة السادسة بالفاشر التي فرضت عليها حصار قاسي انتهي باقتحام المدينة في أكتوبر من العام الماضي مخلفاً أعداد كبيرة من القتلى والجرحى والمفقودين وسط المدنيين مما استدعى إدانات دولية لقوات الدعم السريع. وتمكن الجيش لاحقاً من استعادة السيطرة على ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، واستمر النزاع في إقليم كردفان، ومناطق محدودة في ولاية النيل الأزرق، واستقر الوضع الميداني بحلول أبريل 2025م بانقسام واضح للنفوذ بين الطرفين.
وانتقل مركز ثقل العمليات العسكرية النشطة خلال العام الأخير إلى منطقة كردفان الكبرى، وتحولت مدنها وقراها إلى ساحات كرّ وفرّ بين الطرفين، الأمر الذي أدى إلى انتهاكات واسعة ضد المدنيين، وتسبب في موجات نزوح متكررة داخل الإقليم وخارجه، لتصبح كردفان اليوم أكثر مناطق السودان اشتعالاً وخطورة.
كردفان ميدان المعركة الاساسي
أدى هدوء المعارك في أغلب جبهات القتال إلى نقل قوات كبيرة من الطرفين إلى الإقليم المنكوب، وذلك في إطار استراتيجية عسكرية للطرفين توافقت على أن تكون كردفان هي أرض النزال وتبادل السيطرة، حيث يحرص الدعم السريع على أن تكون كردفان هي جبهة القتال المتقدمة لقواته حتى لا يصل الجيش إلى مناطق سيطرة حكومته الجديدة في دارفور التي كونها بمشاركة حركات وقوى سياسية "تحالف تأسيس"، وينطبق ذات الأمر على الجيش الذي يتخذ من كردفان مركز دفاعي عن ولاية الخرطوم وبقية أقاليم البلاد التي تقع تحت سيطرته.
قبل عام من الان، زحفت أعداد كبيرة من قوات الدعم السريع التي غادرت ولايات الوسط إلى كردفان، وسرعان ما لحقت بها متحركات الجيش والقوات المتحالفة معه لتدور المعارك الطاحنة في الولايات الثلاث، مما قاد إلى تحول مدن مثل بارا وجبرة الشيخ والدلنج وبابنوسة إلى مدن أشباح، فيما عاشت مدن أخرى تحت الحصار والقصف، وتهجرت مئات القرى. وفي كل الأوضاع كان المدنيين يغادرون منازلهم هرباً من المعارك على أرجلهم، ومن يجد سيارة تحمله تتم مصادرتها من قبل القوات العسكرية المسيطرة، وازدادت مؤخراً حالات الاستهداف بالمسيرات أثناء عمليات النزوح الاجباري.
قبضة أمنية تمنع تدفق المعلومات
تسببت المعارك وحركة القوات المستمرة في قبضة أمنية دموية في الإقليم، حيث تشددت أطراف القتال في التعامل مع المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في حالة اتهام مستمر بالولاء لطرف، مما أعاق حركة المواطنين وتنقلهم وتشديد الحصار على الاتصالات في كل ولايات كردفان، وتعرض الكثير من المدنيين للتصفية والاعتقال لمجرد الشك. وإلى لحظة كتابة التقرير يواجه كل الذين تحدثت إليهم منصة "سودان سكوب" تحديات كبيرة في نقل معلومات عن الأوضاع الصحية والمعيشية والإنسانية للمواطنين الأمر الذي انعكس على تدفق المعلومات عن التحديات التي يعايشها السكان ومدى احتياجهم للتدخلات من جانب المجتمع المحلي والدولي، وبالتالي ظلت البيانات والأرقام والمعلومات الخاصة بوضع سكان الإقليم شحيحة للغاية وأغلبها صادرة عن الجهات المسيطرة على الأرض، أو هيئات ومنظمات خاضعة لها وليس لها مجال حرية يمكنها من الحركة أو التصريح بما لا يتناسب مع توجه أو رغبة الجهة المسيطرة، لهذا لا يمكن التعامل مع ما يصدر منها باعتبارها مؤسسات ذات استقلالية. وينعكس هذا الأمر بشكل أقل حدة على المنظمات الدولية القليلة التي لها نشاط في الإقليم المشتعل، إذ تحرص على خدمة المواطنين، وبالتالي تعمل وفق شروط سلطة تركز على مجريات القتال، وليس على التصدي لمعالجة المشاكل التي تسببها المعارك للمواطنين.
تضارب المعلومات حول أعداد النازحين
قاد التشديد الأمني على المعلومات إلى عدم وجود قاعدة بيانات لدى المنظمات المحلية والدولية باحتياجات المواطنين، مما خلق فجوة بين الواقع وما لدى الجهات العاملة في الشأن الإنساني من معلومات. وشمل غياب البيانات مجالات هامة لأي خطة تدخل انساني، ويمكن أن نشير إلى بعض منها مثل "أعداد النازحين، أوضاع النساء والأطفال، الأوضاع الصحية، المعتقلين، المفقودين، الوضع المعيشي". كل هذه المعلومات لا يمكن الوصول إليها بشكل دقيق بسبب المعارك المستمرة وتركيز المسؤولين على الجانب الأمني، فمثلاً تقدر مبادرات محلية عدد النازحين داخل الإقليم بـ"6" ملايين، وذلك استناداً على معلومات مستقاة من المفوضيات الإنسانية التي تتبع للسلطات الثلاث المسيطرة على الإقليم "الجيش، الدعم السريع، الحركة الشعبية"، فيما تقدر منظمة الهجرة الدولية أعداد النازحين في كل كردفان بحوالي المليون شخص، وبالطبع يؤدي هذا التضارب في المعلومات إلى أزمة في وصول المساعدات بسبب عدم معرفة الجهات المانحة بالأعداد والاحتياجات الفعلية للنازحين والمتضررين بشكل عام.
قيادة الأمم المتحدة عاجزة عن الوصول لكردفان
أعاق الوضع الأمني المضطرب في الإقليم منذ بداية الحرب وصول كبار المسؤولين في الأمم المتحدة إلى كردفان لتفقد أوضاع المدنيين. واكتفى فولكر تورك المفوض السامي لحقوق الانسان بزيارة بورتسودان والدبة في يناير الماضي، ولم يتقدم نحو مدينة الأبيض التي تقع تحت سيطرة الجيش، وتستضيف مئات الآلاف من النازحين، ولا تخضع لحصار عسكري خانق مثل مدن أخرى في الإقليم. وفي نوفمبر من العام الماضي توجه توم فليتشر وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية إلى دارفور حيث تجول في عدة ولايات تخضع لسيطرة حكومة تأسيس، كما زار معسكر طويلة الذي يخضع لإدارة قوات حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، وبالرغم من وجود الحركة الشعبية في قيادة تحالف تأسيس إلا أن فليتشر لم يتمكن من الوصول إلى مناطق سيطرتها في جنوب كردفان والتي تأوي مئات الالاف من النازحين بحسب بيانات منشورة من قبل الحركة. وزار المفوض السامي لشؤون اللاجئين فليبيو غراندي السودان أكثر من مرة، ووصل إلى مخيمات النزوح في مدينة كوستي التي يربطها بالأبيض طريق مسفلت، لكنه اكتفى بمقابلة نازحين من إقليم كردفان والاستماع إلى روايتهم عن الأوضاع.
الهدف من الرصد التفصيلي الإشارة إلى نقطتين مترابطتين، أولهما أن منظمة الأمم المتحدة لا تمانع ارسال قياداتها العليا إلى مناطق تقع تحت سيطرة طرف محدد داخل البلاد ما دام ذلك ممكناً، والنقطة الثانية هي التأكيد على أن تحركات المسؤولين رفيعي المستوى في الأمم المتحدة تخضع لبرتوكولات أمنية صارمة، لذا لم يتمكن أي مسؤول من الثلاثة الوصول لأي مكان في إقليم كردفان بسبب المعارك المستمرة التي من الممكن أن تشكل خطورة على حياة المسؤول وفريق العمل المصاحب، كما يعتبر ضعف المعلومات عن مدى كارثية الأوضاع الانسانية في الإقليم سبب اضافي لعدم وضع كردفان ضمن جداول زيارات قيادة المنظمة الدولية للبلاد.
نقص التمويل يعرقل التدخل الإنساني
وفي سياق متصل، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" عن نقص حاد في تمويل خطط الاستجابة الإنسانية في السودان للعام 2025 بنسبة 62%، وتوقع أن يزداد العجز هذا العام، وعليه يمكن قياس أثر هذا العجز على الأوضاع الإنسانية على الأرض، إذْ لا يزال التمويل الدولي لأزمة السودان بعيداً عن تغطية الاحتياجات الأساسية للمدنيين داخل وخارج البلاد، وإذا أضفنا إلى هذا العجز التمويلي مسألة نقص المعلومات عن أوضاع المدنيين في كردفان الكبرى سنكتشف أن العالم يحتاج إلى إعادة تقييم الموقف بحيث يستوعب الاحتياج الفعلي لملايين الأشخاص في كردفان الذين يقبعون بين نيران المعارك المستمرة منذ ثلاث سنوات.
مستقبل طلاب كردفان تحت النيران
وبعودة إلى الأزمات التي يمكن أن تواجه سكان الإقليم في حال استمرت المعارك على الأرض، يمكن أن نشير إلى محدودية عدد طلاب كردفان الذين أتيحت لهم فرصة الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، حيث شهدت أغلب المدن غياب تام لمراكز الامتحانات بسبب النزوح أو القصف المتواصل. وفي حال نفذت حكومة تأسيس خطتها بعقد امتحانات في يونيو المقبل للطلاب الموجودين في مناطق سيطرتها فمن الممكن أن تُعقد هذه الامتحانات في كل إقليم دارفور، لكن ستواجه تحدياً حقيقياً في كردفان التي لا تزال المتحركات القتالية تدور فيها، والمدن تُقصف من قبل الطرفين بكل أنواع الأسلحة. ومما سبق يتضح عدم اكتراث أطراف النزاع بمستقبل طلاب كردفان، حيث اكتفت حكومة بورتسودان بعدد قليل من أبناء الإقليم الذين تمكنوا من الجلوس للامتحانات التي أُختتمت قبل أيام، فيما أعلنت حكومة نيالا عن عقد امتحانات في منتصف يونيو القادم غير عابئة بالظروف الأمنية التي تواجه طلاب كردفان في المناطق التي تسيطر عليها.
الهدنة.. أو المجاعة!
اتفق العشرات من سكان كردفان الكبرى الذين تحدثت إليهم "سودان سكوب" على أن الأولوية الان تتمثل في توصل المتحاربين إلى "هدنة" في الإقليم من أجل عودة مئات الالاف من المزارعين للتحضير للموسم قبل الخريف، وإلا فإن المجاعة ستضرب الإقليم بعد أن أوقفت الحرب الزراعة و تم نهب المحاصيل المخزنة. هذا، وتأثرت حركة قطعان الثروة الحيوانية بسبب النهب المستمر من القوى المسلحة المنتشرة في كل الإقليم. كما تمت الإشارة إلى أن أعداداً هائلة من القطعان التي تعتمد عليها نسبة مقدرة من أبناء الإقليم كمصدر رزق نفقت وتم نهبها وتشتت بسبب صعوبة الوصول إلى مصادر المياه، ومن المعلوم أن كثير من مناطق كردفان تعتمد على "الدوانكي" في الحصول على المياه، ومع انعدام الوقود وتعرض محطات الطاقة الشمسية للنهب توقفت الدوانكي، مما زاد من معدل نفوق الحيوانات جراء العطش، وفي حال تحرك أصحاب القطعان للبحث عن الماء خارج كردفان فإنهم يتعرضون للاشتباك مع نظرائهم لقلة مصادر المياه، وبالتالي يتم تهديد السلم الاجتماعي في الولايات المجاورة. وأجمع أبناء كردفان الذين شاركوا في التقرير على ضرورة إعلان هدنة لتسهل الحركة الآمنة لما تبقى من القطعان حتى تصل إلى مصادر المياه.
وأبدى أبناء الإقليم تخوفهم من استمرار الحرب في كردفان مما يستدعي تاريخاً قريباً لاستمرار الحرب في مناطق محددة وتطبيع الحياة في بقية البلاد، كما حدث في الجنوب سابقاً، ولاحقاً في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وبقاء إقليم كردفان كمنطقة فاصلة بين حكومتين تدور فيها المعارك فيما تمضي الحياة في بقية أنحاء السودان.
