الكباشي أحمد عبدالوهاب
أثارت الغارة المصرية على المعدنين السودانيين العُزل في منطقة شمال الوادي "جبل العقيدات" داخل الأراضي السودانية جدلاً كثيفاً في الأوساط السودانية مصحوبا بغضب وإستنكار شديدين لإستهداف الجيش المصري مواطنين سودانيين داخل أرضهم بوحشية مفرطة وهم عزل وغير محاربين، ويمارسون عملا مشروعا داخل وطنهم.
بيد أن النقاش العام حول هذه القضية الخطيرة، والتي تعد بمثابة جريمة أمن قومي واعتداء صارخ على السيادة والأرض والمواطنين السودانيين، خاض فيه الكثيرون بمعلومات خاطئة ينبغي تناولها بمزيد من الجدية والدقة، لئلا تطغى الروايات المغلوطة على الحقيقة وتضيع الحقوق في ثنايا الجدل بغير معرفة وأحياناً بتواطؤ مع جهات ذات مصلحة في التضليل والتعمية على الحقيقة.
من بين هذه المعلومات، أن الحد الفاصل بين مصر هو خط العرض 22، وهي رواية مضللة ولا وجود أو أساس قانوني لها، وهي عين ما تروجه الدوائر الرسمية المصرية لخدمة ادعائها السيادة على مثلث حلايب-شلاتين-أبو رماد والساحل البحري المطل على البحر الأحمر.
يستند المصريون في أن الخط الفاصل بين حدود البلدين هو خط 22 على إتفاقية يناير 1899، غير أن هذه الإتفاقية لم تكن خاصة بالحدود ولم ترد كلمة حدود ولا حتى مرة واحدة في أي من نصوصها، وحري بالقول، أن إتفاقية يناير 1899 خاصة بإدارة السودان المشتركة بين مصر وبريطانيا، وعنوان الإتفاقية "إدارة السودان في المستقبل"، إذاً المجادَلة المصرية بأن الإتفاقية حددت خط العرض 22 كحدود سياسية، وحدود مثلث حلايب حدوداً إدارية، هو مجرد إدعاء أو تأويل لا وجود له لا في نصوص الإتفاقية ولا في التفسير الرسمي "المصري" للإتفاقية ولا أحكام الإتفاقية نفسها.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا وجود لحدود سياسية بصورة منفصلة عن الحدود الإدارية، أو العكس، في القانون الدولي ولا في القانون العرفي الدولي ولا في أحكام الإتفاقيات الدولية، وإنما الحدود هي عملية ترسيم لتحديد علامات جغرافية تفصل بين الدول ولا وجود لتعريفات مختلفة لهذه الحدود حتى يلتبس الأمر بين الأمم ويستشكل فهمه ليتأوله كل من حدثته نفسه بضم أو احتلال رقعة جغرافية ليست له.
ينتصب هنا سؤال مهم، من أين جاء التأويل المصري لاتفاقية 1899 والذي تقوم على أساسه الحُجة المصرية في ملكية المثلث وسيادته؟
تتأسس حُجية الرواية المصرية "التأويل" على الفقرة الأولى من الإتفاقية، والتي ورد فيها أن لفظ السودان يُطلق على جميع الأراضي الواقعة جنوب خط العرض 22، لكن النص لم يحدد أين يبدأ الخط شرقا من اتجاه البحر الأحمر، ولم يُحدد كذلك نهاية الخط غربا من اتجاه الحدود الليبية. وهذا يُفسر لماذا يقع مثلث "السارا" داخل الحدود الليبية على الرغم من وقوعه جنوب خط العرض 22 والذي يقول المصريون أنه يمثل الحد الفاصل لحدودهم الجنوبية، فإن كانت هذه الحجة صحيحة كما يدعي بها قائلوها فلماذا استُثنيَ مثلث من هذه القاعدة الجغرافية التي يستعصم بها هؤلاء ويؤمنون بها إيمان العجائز؟
لا يمكن الإحتكام لخط العرض 22 في ترسيم الحدود مع بلد واستثناء ذات الخط عندما يمر من دولة أخرى، هذا أمر لم نشهد له نظيرا في أي نزاع حدودي آخر، ولا يستقيم قبوله في هذا النزاع بصورة استثنائية.
وحتى لا يختلط السياق التاريخي على القارئ، لابد من الإشارة إلى أن اتفاقية يناير 1899 نفسها، أُلغيت في اكتوبر من العام 1953 تمهيداً للفترة الإنتقالية المفضية إلى تقرير المصير، الذي تمخض عنه إعلان استقلال السودان نفسه من داخل البرلمان في ديسمبر 1955، وذلك يعني بالضرورة أن أي تدابير كانت قائمة على أساس هذه الإتفاقية تُعتبر ملغاة تماما، حتى لو كانت هذه التدابير منصوص عليها، ناهيك عن أن الأمر لا يعدو أكثر من كونه مجرد تفسير/تأويل لنص!
ومن الأهمية بمكان شرح الموقف القانوني الذي تقوم عليه الحجة المقابلة والأساس القانوني الذي يستند عليه السودان في قضية حدوده مع مصر وملكية مثلث حلايب، حيث تم توقيع اتفاقيات في هذا الشأن في بدأت باتفاقية مارس 1899 وقرار ناظر وزارة الداخلية المصرية الصادر في يونيو 1902، وقد تأسس القرار بناء على قرار لجنة فنية مشتركة وذلك لوجود قبائل البشاريين والعبابدة في المنطقة وهي قبائل سودانية ومنسوبوها مواطنين سودانيين.
وعندما نشأ النزاع في المثلث بين البلدين في عام 1958، أرسلت الحكومة المصرية مذكرة إلى الحكومة السودانية في أواخر يناير تعترض فيها على إقامة انتخابات برلمانية في مثلث حلايب، ثم أردفتها بمذكرة لاحقة في فبراير قام بتسليمها السفير المصري في الخرطوم سيف اليزل، إلا أن الحكومة السودانية قامت بالفعل بإجراء الإنتخابات في دائرة حلايب.
وفي نوفمبر من نفس العام، دخلت باخرة نيلية مصرية استوقفتها الشرطة السودانية في قرية "فرص" وهي قرية حدودية تقع في شمال وادي حلفا، غمرتها مياه السد العالي لاحقا مع مجموعة قرى أخرى تقدر مساحتها بأكثر من 40 ألف فدان، وكان يقطنها أكثر من 15 ألف مواطن سوداني، لكن الباخرة لم تمتثل لأمر الوقوف، وتم اعتراضها ومن ثم إعادتها إلى مصر، وقد تبين أن الباخرة كانت تقل لجان استفتاء تضم مدنيين وعسكريين، وذلك لغرض الاستفتاء على الجمهورية المتحدة بين مصر وسوريا إبان حقبة الرئيسين جمال عبدالناصر وشُكري القوتلي.
ومن ثم، قام السودان برفع شكوى لمجلس الأمن الدولي في عام 1958، وبناء على هذه الشكوى، يقول خبير القانون الدولي الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه في كتابه "مسألة حلايب ونتوء وادي حلفا المغمور" :
" لن يؤخذ في الاعتبار الأعمال والأنشطة التي يكون قد باشرها أحد الطرفين في المناطق المتنازع عليها بعد ذلك التاريخ (يقصد تاريخ إحالة النزاع لمجلس الأمن الدولي فبراير 1958) بقصد تحسين أو تدعيم مركزه القانوني"
إذاً تبقى الحقيقة الجغرافية التي ينبغي أن تسود في النقاش العام وتتصدر الرواية السودانية للحدود مع مصر، أن خط العرض 22 ليس الحد الفاصل بين السودان ومصر إلا بعد ملاءمته ليشمل مثلث حلايب، وتبقى حقيقة أخرى وهي أن الحرب الدائرة الآن لم يجن منها السودانيون دمار بلدهم وبنيتهم التحتية واقتصادهم وموت أبنائهم وبناتهم فحسب، وإنما على فداحة ذلك، تُنتقص البلاد من أطرافها، وتُنتهك سيادتها ويُقتل مواطنوها داخل أرضهم، على مشهد ومسمع من قيادتها، لكن عين رضاها كليلة، بسبب الاصطفافات الإقليمية ذات الطابع التخريبي في هذه الحرب، وغني عن القول أن حالة الضعف والهشاشة التي تمر بها الدولة السودانية جراء هذه الحرب غير مسبوقة في تاريخ البلاد، وهي بالقطع حالة شديدة الإغراء لإثارة المطامع، خصوصا في جوار يعاني من انفجار سكاني كبير يقابله شُح في الموارد. ولا سبيل للخروج من هذه الحالة إلا بالسلام وايقاف نزيف الاحتراب الداخلي لصالح دولة آمنة ومستقرة، يساهم جميع أبنائها في ازدهارها وقوتها وثرائها، لمواجهة الأطماع الخارجية بجبهة داخلية موحدة ودولة قوية لا تجعل الاعتداء عليها نزهة أو أمرا غير ذي عواقب.